يطل الزميل شريف عرفة على قراء “الاتحاد” كل صباح صامتاً أو صاخباً. يقرأ المشهد السياسي، بلوحة لا تتجاوز أبعادها سنتيمترات قليلة، لكنها تقول بصمتها أو بكلماتها القليلة بخطوطها الحادة كما بتكويناتها الواضحة، كل ما يعتمل في صدر القارئ من صخب وصراخ.. رسام الكاريكاتير المبدع، الذي يملأ حيّزه الخاص في الجريدة، فاجأني هذا الأسبوع بهدية غير متوقعة. كتاب من تأليفه. الكتاب حمل في طياته مفاجأتين أخريين، أولاهما أن الزميل هو في الأصل والأساس طبيب أسنان، يعمل كاتباً ومحاضراً في مجال التنمية الذاتية، وحاصل على ماجستير إدارة الأعمال في تخصص إدارة الموارد البشرية. والكتاب الهدية هو من صلب المفاجأة الأخيرة، إذ يدور موضوعه على التنمية الذاتية. ولطالما كنا نعرف أن التنمية هي معضلة شعوبنا وحكوماتها منذ أن تشكل وعيها المعاصر فكانت حصيلتها صفراً أو ما يشبهه في كل قطاع. فلنترك، إذن، التنمية العمومية في ارتباكاتها وارتكاباتها، ولنطلب التنمية الذاتية من عند الدكتور شريف.. لنقر أولاً أن الكتب المختصة بهذا الموضوع أو الموضوعات الشبيهة مثل علم النفس ودراسات السلوك الإنساني، تكون في العادة منفرة من عنوانها. لكن الدكتور شريف عرفة يتمكن من الاستحواذ على القارئ، مستخدماً عدداً من الكمائن على الرغم من عنوان الكتاب نفسه الذي لا يختلف كثيرا عن عناوين كتب هذه النوعية: “أن تكون نفسك! دليلك العلمي للسعادة والنجاح...”. هكذا، ودفعة واحدة تبدو وكأنك حصلت على وصفة سحرية لتحقيق ما سقط دونه الملايين من الأسلاف، لكن المؤلف لا يدعك تسرف بتوقعاتك، فهو يمهد لفصول كتابه بما يسميه “مقدمة غير مهمة (عن السعادة وما إلى ذلك من هراء)”. هذه السعادة، وما إلى ذلك من هراء، يناقشها المؤلف في تسعة فصول مقلباً إياها على وجوهها المتعددة واحتمالاتها المختلفة، متسائلًا في كل فصل هل تكمن السعادة في: المال؟ الظروف؟ التدين؟ المتع؟ الجينات؟ النجاح؟ الحظ؟ العلاقات؟ أسلوب الحياة؟ الإجابات التي تحصل عليها، هي بانوراما ثقافية تكفي بذاتها لكي تحقق سعادتك بقراءة هذا الكتاب. فالدكتور شريف، يقدم أفكاره الموثقة بأسلوب رشيق يوازن بين المعلومة العلمية والصياغة الساخرة، بلا تقعر أكاديمي أو ادعاء معرفي، ويعزز أفكاره بأمثلة وتجارب واستشهادات. وهكذا تقرأ اقتباسات ذكية من الإمام علي، والإمام الشافعي، وسعد زغلول، وشارلي شابلن، وبرنارد شو، وفرويد، وجبران، وباولو كويللو، وأنشتاين، ومحفوظ، والعقاد وغيرهم.. ومن ثم يضيف لمسته الشخصية بتلك الرسوم الصغيرة الدالة. تحتشد في الكتاب العديد من الأفكار والأمثلة والتجارب الطريفة، منها تلك الدراسة التي أجراها عالم نفس أميركي وقدر بنتيجتها أن السعادة تتحقق عندما يبلغ الدخل الشهري 6250 دولاراً. لكن الدراسة لم تبيّن إن كان هذا المبلغ قبل أو بعد حسم الضرائب؟ ثم ماذا لو كان دخل الزوجة موازياً أو أعلى قليلًا؟ والأهم ماذا لو كانت هي تملك شقة الزوجية؟ والأطرف هو ما جاءت به دراسة بأن سكان العالم يعرفون بعضهم، وإن ما يفصل الواحد عن الآخر سلسلة من ستة أشخاص، وقد افترض المؤلف إن ما يفصله عن الرئيس أوباما هو أربعة أشخاص فقط.. ولكن ماذا لو أردت أن تجعل أقرب الأشخاص إليك في السلسلة في بعد أوباما عنك؟ ثم ما هو حكم هذه القاعدة على طابور مكون من خمسين شخصاً للحصول على رغيف خبز (قبل سقوط القذيفة طبعاً)؟ ما أصدق تقديمك يا دكتور شريف....... adelk58@hotmail.com