في الفوضى الخلاقة إعادة ترتيب العالم، تأثيث وجدانه بمعطيات الغربلة للحفاظ على الوجود، فوضى تخلق جنيناً جديداً، وكياناً أصبح قديماً وآيلاً للزوال، فبعد اكتشاف المهتمين بالحفاظ على النوع الإنساني أن الأنظمة الديكتاتورية القديمة أضرت كثيراً بمصالح العالم الحديث وباقتصاده، وأساءت كثيراً إلى مشاعر الإنسان بحكم أن الزعيم الأوحد صار عبئاً على أصدقائه، كما أنه خطر على أعدائه، الأمر الذي فرض التغيير بنظرية الفوضى الخلاقة والتي لم يبتدعها المحدثون في السياسة بقدر ما هي كما كانت نظرية نيتشه الثورية المستندة إلى الأسلوب العظيم، أو إرادة القوة، كما سماها، والتي تقوم على تهشيم الذات الوطنية لإعادة ترتيبها من جديد بواسطة الاستبطان الذاتي وتغليب الأنا الساكنة بحيث تصبح متحركة، تواجه الكم الهائل من المخزون الذاتي وما تراكم من ضغينة وعدائية بغيضة. إذاً الفوضى الخلاقة لها ما لها من محاسن، وعليها ما عليها من مساوئ قد تطيح بالهرم الإنساني، وتجعله مقلوباً بحيث يتدحرج نحو الهاوية إذا ما أسيء استخدام النظرية من قبل الغوغائية والدهماء وأصحاب المصالح الذاتية والأنانية الفردية.
فالربيع العربي قد ينقلب إلى خريف إذا لم تُستثمر الثورات لصالح الأوطان، وإذا أساء مستخدموها الاستخدام، وإذا ما تحولت الثورات إلى إعادة التاريخ من جديد إلى ستينيات الانقلابات العسكرية التي حولت الأوطان إلى كانتونات فجة وسجون اعتباطية. بعدها سوف يضرب نيتشه رأسه بحجر، وسوف يلطم أصحاب النظرية الخلاقة ويعلنون خواء كل ما ادعوا الذهاب نحوه، فشكل التغيير جميل، ولكنه إذا ما توجه نحو الأشخاص لتنفيذ مآرب أشخاص، فإن مصير الشعوب لن يكون أهون حالاً من مصير موسى كوسا الذي انقلب فجأة من طاغية وعصا في يد نظام القذافي إلى محارب فذ ضده، قبل أن يواجه المصير المجهول.
التغيير بحسب النظريات الإنسانية الكبرى يعني إحالة وضع اجتماعي وسياسي على المعاش لإحلال وضع مكانه يتماشى مع الظرف التاريخي الذي تمر به الشعوب، وإن لم يكن كذلك، فإن الفوضى الخلاقة تنقلب إلى فوضى حارقة تأكل الأخضر واليابس، وتعيث فساداً بالحقوق، كما تطيح بالواجبات الوطنية، ولا مجال للانتخاب الطبيعي، كما قال داروين، بل إن الانتخاب الحقيقي أن يختار البشر ما يتلاءم مع ظرفهم الإنساني دون الالتفاف أو الاصطفاف نحو عداوات تاريخية أو كراهية شخصية، أو مصالح ذاتية، أو حركات آنية.
نحن بحاجة إلى نظرية تعيد التوازن النفسي لمن يراهنون على التغيير دون هدف، ولمن يضعون الادعاء أساس الانتماء. وكفانا الله شر من يضعون الوطن في ذيل الأولويات، ولا يخافون لومة لائم في بسط خرافاتهم وانحرافاتهم. وحمى الله أوطاننا من كل مدعٍ أثيم وزنيم.



marafea@emi.ae