أفتقد رائحة جدتي، عطرها الخاص، ثيابها الخضراء وتلك المزّهرة، كانت تحب الثياب ذات الزهور الصغيرة، والمنقطة، والحناء الدائمة على كفيها، أقدامها التي تعالجها دوماً بالحناء، ووجع عينيها الذي تقول إنه يحتاج أيضاً حناء، الحناء بالنسبة لها زينة وعلاج، ويدا امرأة تخلو منها هي يدا رجل. أفتقد وجودها في المناسبات العائلية، حيويتها الدائمة، وجودها الخاص العميق الحميم الدافئ المؤثر. أفتقد جدتي، أفتقد محبتها لي، محبتها الثابتة غير المشروطة والدائمة. سجادة صلاتها، مسبحتها التي لا تفارق يديها، والقرآن يصدح في أرجاء بيتها بصوت الشيخ السديس. أفتقد يوم الجمعة في بيت جدتي، أفتقد بيت جدتي بعد رحيل جدي أيضاً وفضاء المكان، وأفكر في كل الجدات اللاتي يرحلن كل يوم. كيف نقبض على رائحة الجدة قبل أن تغيب؟ هل تستطيع مصانع العطور تصميمه؟ لكن كيف لها بالعثور على تلك التركيبة الخاصة؟ تلك التركيبة خلطة من الحب والسعي والتاريخ والأمل والثقة بالله والمحبة للولد والخوف عليه، الخوف الدائم عليه، ثم التوكل، التوكل على الخالق، هذا الإتكاء المريح الذي لولاه لما هدأت المشاعر. هل للمشاعر رائحة؟ أجدها كذلك، هي خلطة روائح مشاعر، جدتي في المكان، كنا نعرف، أن جدتي في المكان، وكانت الأماكن تعرف جدتي، أشعر بالجدران تتضاءل وتنحني وتقول أدخلي أنت يا ملكة الأماكن. وجدتي، كما جداتكم جميعاً، كانت ملكة الأماكن. كنت تعرفت إليها للتو، صديقة جديدة من أوزبكستان، حكت لي عن التاريخ، وكيف لم يعرفوا من الإسلام سوى الاسم في العهد السوفييتي، حكت لي عن دراستها للغة الألمانية لتعيش في ألمانيا ثم كيف وجدت نفسها في أبوظبي. عن هوايتها في التصميم وحلمها بافتتاح متجر لتجارة الملابس، عن أمنياتها صغيرة والتحديات كبيرة، ثم بشكل عابر حكت لي عن سفر قريب تنوي القيام به إلى تركيا، حيث تقيم جدتها في السنوات الأخيرة. قالت إن جدتها مريضة قليلاً، ستذهب بعد أسبوعين لزيارتها. قلت لها من دون تفكير، «اذهبي غداً». تجاوزت ما قلته كأنها لم تسمعه، وتحدثنا في مواضيع أخرى، حتى قالت فجأه «لماذا تعتقدين يجب أن أذهب غداً؟»، أجبتها «لأني أيضاً كنت أنوي الذهاب لزيارة جدتي في نهاية الأسبوع لكنها لم تنتظرني، رحلت قبل أن أصل». «وصدقيني، هذا يشكّل فرقاً عظيماً، يشكل كل الفرق في العالم. اذهبي، لا تعرفين كم بعد ستنتظر قدومك». وجدتُها تبكي بحرقة، وفي الصباح عرفت أنها سافرت. لوجودنا رائحة. جزء أساسي منه تشكله رائحة أجدادنا. نحن لا ننبت من عدم. نحن سلسلة متصلة من أفراد تربطنا بهم علائق حميمة. وهذا الدم الدافئ هو ما يجعل لدمنا نكهته. ولوجودنا اختلافه، ولحياتنا عمقها. ولرحيلنا فراغ لا يملؤه غيرنا، مهما تكاثر البشر. جدتي: رأيتك البارحة في الحلم، كنت ترتدين الأخضر، وتتخضبين بالحناء، نهضتِ لاستقبالي عند عتبة الباب، وحين أردتُ الدخول لاحتضانك منعتني، قلتِ لي: «ليس بعد، عودي الآن». وها أنا أعود، لأكتب عنك. لعل من يقرأ عنك يذهب ليعانق رائحة جدته الحيّة.