يضطر المرء في أحايين كثيرة لمراجعة جهات ومصالح لإنجاز معاملة، فيستغرب المكان الذي اختارته هذه الجهة مقراً لها، وتقف أمامه تساؤلات عدة حول المعايير والقواعد التي بنت عليها اختيارها لذلك المكان، مقراً لاستقبال مراجعيها. هل هي علاقة المسؤول في تلك الجهة بصاحب البناية مثلا، أم قربها من مكان إقامته؟ أم أن إيجارها أقل ويناسب الميزانية التي رصدتها لاستئجار ذلك المقر، وما إذا كان تصميم توزيع غرفه يلائم احتياجات ومتطلبات سير العمل في تلك الجهة؟ والكثير من الأسئلة من هذا النوع، ونحن نشاهد بعض الجهات الخدمية ذات العلاقة المباشرة مع الجمهور تتخذ من بنايات سكنية في قلب العاصمة حيث الازدحام والاكتظاظ على أشده مقراً لها، لتضيف المزيد والمزيد للازدحام هناك، جراء تدفق المراجعين على المكان المكتظ وما يستتبعه الأمر من إرباك وعرقلة لحركة المرور هناك. وتخيل أن معاملة لا يتطلب إنجازها أكثر من نصف ساعة على أبعد تقدير، فإذا برحلة البحث عن موقف للسيارة تمتد لما لا يقل عن ساعة، وصاحبها يلف حول المكان بحثا عن موقف، أو يرابط عند أطرافه بانتظار خروج مراجع بسيارته ليدخل هو للموقف.
قد تكون هذه الاختيارات لمقار رسمية أو عامة داخل مناطق سكنية مكتظة مقبولة عند قيام الدولة أو في مراحل التأسيس الأولى، ولكن الأمر لم يعد كذلك اليوم مع التخطيط الحضري الجديد والعصري للمدن، وهي تتوسع وتتمدد باتجاه الضواحي الجديدة، وبناء مقار تلبي احتياجات تلك الجهات لعقود مقبلة. وفي الوقت ذاته تمتص حالة الازدحام وتخفف منها، وتساعد على تحسين جودة الهواء في وسط المدينة. نتفهم ذلك عندما كــانت بلدية أبوظبي في عمارة بشارع حمدان، وكذلك تلفزيون أبــوظبي في شقة ببناية في ذات الشارع. وكانت وزارة التربية ودائرة البتـــرول في بناية من دورين على كورنيش أبوظبي، في ذات المكان الذي يرتفع فيه اليــوم أعلى برج في عاصمتنا الحبيبة. بعض المقار العامة اليوم تجده يفتقر حتى لأبسط قواعد السلامة العامة التي تؤكد عليها إدارات الدفاع المدني، من حيث عدم وجود مخارج للطوارئ بمكان يكتظ بالمراجعين، بما في ذلك مبان سكنية تستخدم اليوم كمستشفيات ومراكز صحية. ولا زلت أتذكر كيف اختارت «مواقف» مكتبا في أحد أكثر مناطق القلب التجاري للعاصمة ازدحاما، ويعانى أزمة شديدة في المواقف كأول مركز لخدمة العملاء لها، وكأنما ترفع شعار «زرنا.. وخذ مخالفة».
اليوم الدوائر المعنية بالتخطيط العمراني للمدينة، ومنها مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني وبلدية أبوظبي، وهي تقوم بإعادة رسم وتخطيط العاصمة وما يخدم توجهات تعزيز مركزها الذي يعكس مكانة الدولة وما حققته كمركز ثقل إقليمي وعالمي على الصعيد التجاري والاقتصادي والسياسي، ندعوها لتوجيه وتشجيع الدوائر القابعة في مبان سكنية على إعادة الانتشار، بحيث تكون في مرافق خاصة بها بعيدا عن بؤر الازدحام. مقار تليق بمستوى ما تقدم، وتكون في متناول مراجعيها، على غرار إجراءات اعتمدتها بصورة منهجية لإعادة نشر مؤسسات ومحال تقدم خدمات مهنية، وتحويلها للمنطقة الصناعية.


ali.alamodi@admedia.ae