بعد شهرين قضاهما مع أسرته (الأخوة الخمسة، الأم، الأب، الجدة) في صيف عام 1970 في “لعريبي” بمنطقة النخيل برأس الخيمة، حيث المصيف السنوي للأسرة، ترك كلبه الذي عالجه من عرج في إحدى أرجله، مع شقيقه الأكبر ببقايا أدوية جارتهما العجوز التي لم تعد إلى منزلها الصيفي في ذلك العام، وبما أنهما كانا في الثامنة والسادسة من العمر لم يعرفا أن غيابها في هذا الصيف كان بسبب مفارقتها الحياة إلى الأبد. الكلب، كان يجري معه وشقيقه الأكبر بين مزارع النخيل وشجر السمر، يباهيان به، يتقافز بينهما، يلا طفانه ويحضنانه، وهو يعبر عن حبه لهما بالنباح المتقطع. كان يحبهما كثيراً، ويحبانه كثيراً، كانا يسرقان الأكل الطازج من مطبخ جدتهما ويقدمانه له قبل أن تأكل الأسرة وجبتي الغداء والعشاء. في ذلك الصيف كانا يصيدان “الزرانيخ” والعصافير “بالطشت”، حيث عصا قصيرة وخيط صيد كان الفخ، وحبات من الرز كانت الطعم. وعندما عادا إلى البيت الشتوي في مدينة رأس الخيمة، تركا الكلب في “لعريبي”، وبعد يومين وهما ينتظران والدهما كي يوصلهما إلى المدرسة، كان الكلب ينتظر عند باب البيت.. لقد تبع أثر السيارة حتى عرف مكان البيت الذي لم يره من قبل، ولكن الوفاء والحب الذي يسكنه، وحاسة الشم التي تعد فاتحة العلاقات عند الكلاب، دفعته إلى أن يتبع الشوق إلى لقياهما من جديد، لقد ركضا إليه وركض إليهما، وبركا على ركبهما يحضنانه، تقافز الكلب الذي لم يكن له اسم، ومنه ومن هذه الحادثة، تعلما المزيد من درس وحقيقة الحب والوفاء. كبرا وكبر هذا الدرس في قلبيهما، حتى أنهما لم يعودا يعرفان إلا الحب الذي يعمر قلبيهما.. مضيا في الحياة يغتسلان بهذا الصدق كلما تعثرت خطواتهما في طريق الحياة أو انحرف الدرب بهما نحو مزالق السلبي من المشاعر، الكره، الحقد، الغيرة العمياء، الغل والدسيسة. لم يجنيا من هذا النقاء سوى الإيمان بالذات والقدرة على التجدد. ففي حياتنا تحدث دروس كثيرة، دروسٌ تقدم بأشكال متعددة ومختلفة، تأتي من المحيطين بنا، من الجماد والحيوان وأحياناً تأتي منا.. يمكن أن نتزود بالكثير من المعرفة ومن الدروس التي تعمق علاقتنا بالطبيعة وبكل موجُوداتها حين ندع آذاننا وأرواحنا تصغي للقادم إلينا بصفاء، ونمعن النظر والتفكير والتأمل بما يحدث أمامنا في أوقات اليوم. بقي الكلب الذي بلا اسم قليلاً مع الشقيقين، ثم اختفى في دهاليز الأيام ولم يعد إاليهما، بحثا عنه ولم يجداه.. ولكنه ترك أثراً مازال راسخاً لا يغيب عن الذاكرة رغم السنين الطويلة بين الصبا ومنتصف العمر. مات الشقيق الأكبر بسبب العشق.. وبقي الصغير عاشقاً إلى الأبد. ??? في أحد أهم أعماله السينمائية، يقدم الممثل ريتشارد جير في فيلمه “ها تشيكو” تفاصيل القصة الحقيقية التي تعود إلى عام 1932 عن الكلب “هاتشي” في الوفاء المذهل، حين توفي صاحبه “رتشارد جير” مدرس الموسيقى بأزمة قلبية، حيث يظهر الفيلم بقاء الكلب على عادته اليومية التي تتمثل في مرافقة صاحبه “جير” إلى محطة القطار صباحاً وانتظار عودته بعد العصر، وبقاء الكلب ينتظر تسعة أعوام عودته غير مكترث للجوع والعطش وتبدلات الطقس، ما أدى إلى أن ينحت له تمثال من البرونز أمام محطة القطار في مدينة “سوبيا” الأميركة تخليداً لهذا الكلب. ولهذا الدرس الاستثنائي الذي نادراً ما يأتي بهذا العمق وهذا التكرار كي نتعلم كيف نحب وكيف نعيش. saadjumah@hotmail.com