تبدو بعض العلاقات الإنسانية كالقدر المقدور، لا يستطيع الإنسان الخلاص منها، أو الاعتقاد بأنه قادر على طي صفحتها والانتهاء منها أو نسيانها ببساطة. هناك علاقات تم تكوينها خلال سنوات طويلة تتفرع عنها تشابكات ومصالح وتعقيدات حياتية وتراكمات كثيرة، هذه العلاقات ليس من السهل الاعتقاد أو الافتراض بأنه يمكنك أن تضع نقطة في آخر جملتها وتقلب الصفحة وتمضي، ستجد في أول السطر منذ الصفحة التالية وجوهاً تبرز لك وأصواتاً تعاكسك وأفكاراً تقلب صفاءك وقد تلخبط عليك مشاريعك التي دبرتها بينك وبين نفسك. هناك علاقات يعتقد أصحابها بأنهم قدرك المقدور، أو أنك نصيبهم من الدنيا، قطعة الكيك الخاصة بهم والتي يجب أن تبقى أمامهم أو في حوزتهم، تحلي أيامهم ولا تنفد أو تنتهي أو تتبرم أبداً! تحتلك بعض العلاقات بمعنى الكلمة، فتعتقد تلك السيدة أنه غير مسموح لك بأن تتنفس خارج فضائها، أو أنك ملكها حتى وإن انفصلت عنها، فتظل كما كانت ستبقى تلاحقك بالطلبات والمشاكل والتبرم، تنسى أنك لم تعد زوجها، أصبحت شخصاً آخر، يمكنك أن تحب غيرها وترتبط وتتناول طعام الغداء وتنام طيلة النهار دون أن يكون لها الحق في أن تلاحقك أو تصرخ في وجهك أو تطاردك عبر الهاتف المتحرك أو تعترض لأنك لازلت نائماً والشمس قد اقتربت من الغروب، تعتقد أكثر من ذلك أنها ما زالت زوجتك وحبيبتك والوصية الأولى على حركة حياتك، بينما ناضلت أنت سنوات لتتخلص من هذه الوصاية وتشعر أنك جمهورية حرة ذات سيادة أنت فقط من يحكمها. ولقد تفردت الفرنسية “آني إرنو” في روايتها (الاحتلال) بتفصيل مثل هذه الحالة الإنسانية شديدة التعقيد، إنها تروي حكاية امرأة تقرر بعد 18 عاماً من الزواج الانفصال عن زوجها لأنها شعرت فجأة بحاجتها للحرية والحياة بمفردها دون قيود شخص آخر. وبعد إتمام الطلاق، وحصولها على ما تريد، يغادر الزوج حياتها ليرتبط بامرأة أخرى ليؤسس لحياة زوجية وليستقر مجدداً وهذا ما كان متوقعاً، لكن ما لم يكن في حسبان هذه السيدة أن تقع تحت تأثير التفكير في تلك المرأة الأخرى التي سيرتبط بها زوجها، فتظل تطاردهما، ويظل عقلها ممتلئاً بتخيلات لا نهاية لها، ماذا يفعلان معاً، ماذا يأكلان؟ أية أفلام يشاهدانها سوياً؟ وأسئلة تولد أسئلة وتولد معها عذابات وشقاء بلا نهاية. تخترع أسباباً للاتصال، تذكره أنها لعشرين عاماً ظلت تعتمد عليه في تركيب اسطوانة الغاز ودفع فواتير الكهرباء، وحجز تذاكر السفر وإجراء الحجوزات وتدبير أمور إيجار المنزل، وتفكيك أصغر المشاكل، تذكره أن هناك عمرا وأولادا، وأنها لا تتصور أن كل شيء انتهى، وتنسى أنها تسببت في تلك النهاية، كما تنسى أنها دفعت بيديها ورجليها باتجاه الطلاق. هناك نساء يتصرفن بهذه الطريقة فعلاً، وهناك أصدقاء وجيران أيضاً فيحتلون عقلك بما يسببونه له من إلحاح عجيب، ما يجعلك تعتقد أن كل ما تحملته من عناء وألم للوصول إلى ضفة أخرى تتنفس فيها كما تريد هواء مختلفاً حرمت منه لسنوات طويلة يبدو وكأنه عشم إبليس في الجنة، أو أنه شيء من المستحيل، بعض الأشخاص يحتلونك وليس لديهم استعداد لأية مفاوضات يمكن أن تقود لتحريرك منهم!