صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

القلق وحديث ما يقلقون!

ما أن تبدأ الامتحانات عندنا نحن العرب، حتى تزداد الرهبة، ويزداد القلق، ربما هي عادة متوارثة، أو بحكم ظروفنا الاجتماعية غير الصحية، لأننا نخاف السقوط، ونخاف الفشل، ولا نحب أن نبدأ من جديد، لذا فهي اسطوانة كل عام تتكرر في كل بيت عربي، وعند الغالبية العظمى من الأسر، لكن حتى لو انتهى القلق على النتائج، ومن النتائج، بعده سيبدأ قلق آخر جديد وهو المعدل، وأي الجامعات، وأي التخصصات، وهل سيجد الولد فرصة عمل مناسبة؟ والبنت هل سيأتيها ''عدلها'' وهكذا يبقى القلق يحاصرنا، ومن أشياء متخيلة، ومفترضة، حتى يصبح القلق وهماً مطبقاً على النفس· لكن حديث اليوم سيكون عن نوع آخر من الامتحانات أو الفحوصات نتعرض لها خلال حياتنا، وتعكس فهمنا للأمور وللحياة، وتعكس تفكيرنا أيضاً، هذه الفحوص تتعلق بفحوص المختبرات الطبية، وكيفية القلق الذي يصيبنا، وبعضنا يقع من طوله، رغم أنه سليم معافى، ولا يشكو بأساً، غير القلق والجهل بالأمور، وربما زاد بعض الأطباء المرتجفين من مهنتهم، وبعض المستشفيات الخاصة التي تحلب المريض حد الوجع· يدخل الواحد منا هذه المختبرات، ووجهه أصفر مثل ''اللومية'' فاذا ما بُشر بما يفرح قلبه، خرج انساناً جديداً، ووجهه مثل الطماطم الحمراء، كله عافية، وصحة على الدوام، أما اذا ما ظهرت بعض فحوصاته على غير ما يرام، فسيدخل في حالة اكتئابية، وسينزوي، ويعاف الدنيا وما فيها، والسبب الأساسي الجهل الذي يأخذ الأمور على غير حقيقتها· هذه المسائل تذكرني بالحملات الإعلامية الكبيرة، والمبالغ فيها كثيراً عندنا نحو أي مرض يهاجم مجتمعات العالم، فنتخيله سيجثم على نفوسنا، وسيحيل حياتنا السابقة الى ظلام حالك، وكل ذلك مرده الى الجهل مرة أخرى، والى عدم الوضوح في الطرح، والتناول الإعلامي، ولنأخذ مثلاً حمى ''الوادي المتصدع'' التي صدعونا بها دون أن نعرفها على حقيقتها، ومن ثم نسوها أو ملوا منها، وكذا أنفلونزا الطيور، بحيث كنت ترى المواطن العربي مرتعباً، خائفاً على ريشه، وجنون البقر الذي حَوَل العيون وحوّلها إلى عيون بقر ''شايفه حريقة'' ومرض نقص المناعة المكتسبة، وتعمدت أن أكتبه هكذا، لأنه أخف على النفوس العربية من كلمة ''إيدز'' أو ''سيدا'' والذي كانت تتعمد بعض صحفنا أن تركز عليه، وعلى تناول أخباره، والقصص المتصلة به، والوعظ الديني الإرشادي تجاهه، لا الصحي، في وقت الصيف، ووقت السفر، وكأنه ساكن بعيداً عنا أو لا نعرفه عندنا· نعود إلى القلق، وعدم الوعي الصحي عند الإنسان العربي، ورهبة الفحوص المخبرية، من خلال قصة لأحد اخواننا العرب حينما عرض نفسه لفحص الـ''إيدز'' لأول مرة، يريد أن يتأكد فقط، ويريد أن يكفّر عن ذنوبه على ما يبدو، ظل قلقاً لمدة ثلاثة أيام بلياليها، وحينما ظهرت النتيجة كاد أن يغمى عليه، لأن الطبيب قال له إن نتيجة الفحص''نيكتف'' و''نيكتف'' عند العرب مصيبة المصائب، وشيء ''مش منيح'' وشيء بطّال، ومصيبة سوداء، تمنى أخونا ساعتها لو كانت النتيجة ''بوزيتف'' وربما رفع يده بالدعاء من أجل ذلك، ضحك الطبيب وقال له: ''احمد ربك أنك ما طلعت من المختبر بوز هنا·· وبوزتيف هناك!'

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء