كثيراً ما كنت أستغرب ذلك الكم من المطبوعات المجانية التي توزع، ومنها ما يباع، وكذلك الصفحات التي تنشر في الصحف المحلية وتركز على الأنشطة الخارجية من حفلات ومعارض ومطاعم وغيرها مما يتم في مدن الصدور. وكان مصدر استغرابي للأمر، يتعلق بمقدار حاجة ابن هذه المدينة أو تلك لمن يدله ويعرفه بما يجري في منطقته . ولكن خلال الإجازة الطويلة الأخيرة بمناسبة عيد الفطر المبارك، أدركت أهمية مثل تلك الأدلة، خاصة أن مدننا كبرت وتوسعت وتمددت وتنوعت الأنشطة والفعاليات فيها. خلال إجازة العيد تدفق الناس على المراكز التجارية الكبيرة أو «المولات»بصورة غير مسبوقة، اضطرت معها الجهات المختصة إلى إغلاق المداخل المؤدية إلى”دبي مول” على سبيل المثال. ولم تكن تلك الحشود المتجهة للمركز بغرض التسوق والشراء، قدر حاجتها إلى مكان مغلق ومكيف تقضي فيه الوقت مع العائلة وتشغل به الأطفال. المكانان الوحيدان المزدهران تجارياً في تلك المراكز كانا جناح المطاعم وقاعات السينما. أما بقية المحال فقد كان التثاؤب سمة الغالبية العظمى من العاملين فيها، لأن الجمهور الذي يذرع الممرات وقد غصت به، كان يكتفي بالتفرج على معروضاتها أو ما يعرف بالإنجليزية” وندو شوبينج”. الطريق إلى دبي من أبوظبي والشارقة في الذهاب والعودة كان مكتظاً حتى ساعات متأخرة من الليل على غير العادة، والحركة مستمرة من جانب الراغبين في استغلال الإجازة إلى أبعد الحدود والاستمتاع بها. والمتابع ينظر للأمر بصورة مختلفة، فالحركة باتجاه مدن الاستقطاب، تمثل نجاحاً لها ولما أعدت لسكانها وضيوفهم. مقابل دوائر وجهات في مدن تتعامل مع مثل هذه الأوقات بعقلية موظف بيروقراطي استنفد الروتين كل تفكيره، وبالتالي يرى أيام العطلات، مجرد أوقات للاسترخاء وتعطيل المصالح وتعاملات الجمهور. بينما ترى دوائر أخرى في مثل هذه الأوقات فرصة لتكثيف دورة الاقتصاد، بإطلاق مبادرات وأنشطة وفعاليات تروج لها داخل وخارج الدولة لاستقطاب المزيد من الزوار والسياح، وإضفاء المزيد من الحيوية والألق على المدينة، بدلا من الاستسلام للسكون والركود، وترك السكان يتسربون منها، مع ما يمثله هذا التسرب من مال ينفق خارج مدن السكون والجمود. البعض استغل عروض شركات الطيران، وآثر اقتناص فرصة العطلة الطويلة لقضائها في الخارج بعد أن بالغت الفنادق في دبي والشارقة والفجيرة في أسعارها، خاصة أن تلك الفنادق اعتادت عدم الإسهام في تشجيع السياحة الداخلية، حيث نجد عروضاً على مدار العام، وليس في المناسبات فقط تركز على القادمين من خارج الدولة، وبالذات من أوروبا. وأخيراً لتسأل كل جهة في مدن السكون، أين هي وبرامجها وفعالياتها من أيام العطلات والأعياد؟. وهل أدركت أبعاد الازدحام على الطرق الخارجية لها، وما يعنيه ذلك من غياب برامج حقيقية لها في استقطاب سكانها والمقيمين فيها، وتحفيز الأندية الرياضية والثقافية والمراكز التجارية الكبيرة على تبني خطط متكاملة تشجع الناس على التفاعل معها بالإقبال الكثيف عليها. وهذه مناسبة لدراسة ما يجري، والاستفادة من هذه الدروس لاستكشاف مقدار حاجتنا لحسن استغلال الفراغ الكبير. ali.alamodi@admedia.ae