صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

بائع الفلافل يرجم بالبرتقال

إبراهيم مبارك
الصبي صاحب الوجه المستطيل، لا يحبه التلاميذ في المعهد الديني، لأنه يقفل المقصف عند أول قرعة للجرس المدرسي، معلناً انتهاء الاستراحة، وكأنه أحد المشرفين الإداريين، الذين يطوفون ساحة المدرسة ملوحين بعصى الخيزران؛ كأنه لا يستجيب لرجاء الصغار بيعهم ''سندويش الفلافل''، لذلك فإن الجميع يتسابق لرجمه بحبات البرتقال التي كانت توزعها المدارس في العهد القديم· كل يوم يمارس فعلته التي لا يحبها التلاميذ، وبعد أن يبدأ إقفال المقصف، تنهال عليه قذائف البرتقال التي تصيبه في أنحاء مختلفة من جسده، ولكنه لا يبالي ويستمر في صنيعه· كبر الصغار الذين يتأمل فيهم مدرسوهم أن يكونوا مشايخ كباراً، أو طلاباً نجباء في الجامعات والمعاهد الإسلامية في مصر أو السعودية· بعد أن أنهوا دراستهم في المعهد الديني، تفرقوا كل حسب ظروفه، حيث واصل البعض تعليمه العالي والبعض أصبح معلماً في المدارس الابتدائية بعد أن أنهى دراسته في المعاهد والجامعات· وحده بائع ''الفلافل'' واصل طريقه إلى الجامعات الدينية، وعزز نشاطه الديني والاجتماعي بالانضمام إلى تجمعات الشباب المتحمس دينياً في الثمانينات، كان من الناشطين في جمعية الإصلاح الديني، امتدت لحيته حتى طالت سرته، وذلك تشبهاً بأقرانه المتحمسين جداً في تلك الجمعية التي تعج بالنشاط الاجتماعي والديني الموجه والذي زاد اشتعالاً في الفترة التي خرج فيها ''المجاهدون'' من الخليج العربي إلى أفغانستان لطرد الشيوعية و''الملاحدة الكفار'' و''العلمانية'' هناك (كما كانت تصرخ حناجرهم يومها!!!) وجهه المستطيل ولحيته الكبيرة تجعله أكثر شبهاً بابن لادن· بائع ''الفلافل'' في المعهد الديني أنهى كل دراسته الجامعية والدراسات العليا في جامعات دينية· عندما كان طالباً صغيراً، كان لا ينظر إلى غير مصلحته الشخصية، فهو صديق الإدارة المدرسية والمدرسين، بينما لا يعطي أي اعتبار لصداقة الطلاب الذين لا فائدة من صداقتهم غير اللعب والتمرد على المدرسة وخسارة الدرجات، كان يحسبها هكذا، لذلك كان لا يبالي بصياح الصغار الذين يطالبونه بعدم إقفال المقصف المدرسي· تدور الحياة سريعاً، ويتغير الزمن، ويتم حلق كل لحية طويلة لهؤلاء ''الناعقين'' والداعين إلى الجهاد هنا وهناك ويطردون من كل مكان شر طردة، وحده لا يطرد، بل يدفع به إلى الأمام، يحلق لحيته الطويلة، ثم يقوم بنفسه بالحلق لمن تبقى من أصدقاء زمان، تذهب لحيته والأصدقاء ويظل فقط وجهه المستطيل، ولم يعد يتذكر من كان معه في المعهد الديني الابتدائي، ولا قذائف البرتقال والـ سندويش ·

الكاتب

أرشيف الكاتب

حر ومطر

قبل 5 أيام

بعيداً في الأفق

قبل أسبوع

ترانيم أبو جبران

قبل أسبوعين

معرض الكتاب

قبل 3 أسابيع

سماء وماء

قبل شهر

عطايا المطر

قبل شهر

بينالي

قبل شهرين

مدينة المسارح

قبل شهرين
كتاب وآراء