ذات يوم من صيف عام 1945 ألقت قاذفة القنابل التابعة لسلاح الجو الأميركي القنبلة النووية الأولى على مدينة هيروشيما اليابانية، متسببة في تدمير المدينة وقتل 140000 شخص من سكانها، وبعد ثلاثة أيام ألقيت القنبلة الثانية على ناجازاكي لتحدث تدميرا مضاعفا، وإضافة للتدمير والقتلى فإن كثيرين ممن كانوا على حافة منطقة الانفجار ماتوا لاحقا وبأعداد كبيرة نتيجة تسرب كميات مهولة من الإشعاعات القاتلة، كما لوحظ فيما بعد زيادة كبيرة في أمراض السرطان، وتحديدا سرطان الدم والرئة وغيرهما، ولا زالت المنطقة تعاني ولادات مشوهة نتيجة تلك الحوادث المأساوية، وما ركزته في البيئة من إشعاعات ليس من السهل تحللها أو التخلص منها. . تلك واحدة من أبشع جرائم الحروب والصراعات التي يخوضها الإنسان، مستخدما العلم ومطورا تقنياته لإحداث المزيد من الدمار والقتل بأقل جهد وأكبر عدد! اليابان تتوارث لعنة الولد الصغير والرجل السمين (الاسمان المشفران اللذان أطلقا على قنبلتي هيروشيما وناجازاكي يومها)، هذه اللعنة التي أكملت اليوم ما يقارب السبعين عاما، تتوارث الأمراض التي انتجتها القنبلتان وتحديدا الإشعاعات الخطيرة التي تبقى عالقة في الغلاف الجوي، مسببة ومولدة العديد من أمراض السرطان والتشوهات الخلقية للأجنة المولودة، هذه الأمراض التي بدأت تظهر بشكل مريب ولافت في المنطقة العربية، حزام الحروب والصراعات والقنابل والتفجيرات التي لم تتوقف منذ قرن من الزمان، من دون أن يقف مجانين الحروب لحظة ويسألوا أنفسهم عن كمية الجرائم التي يرتكبونها، والتي يراكمون آثارها لقرون قادمة، وعلى الناس في هذا الإقليم أن تتنفس الموت، وأن تمضي مستسلمة لقدرها، ليظهر لنا من يقول بغباء لا مثيل له: هذا قدر المنطقة!! هذه المنطقة وخلال العقود الأخيرة شهدت الحرب العراقية الإيرانية، غزو الكويت وتفجير آبار النفط فيها، حرب تحرير الكويت، حرب إسقاط صدام واحتلال العراق على يد قوات التحالف، الحرب الإسرائيلية عام 2006 على لبنان، حرب غزة، حرب إسقاط القذافي، الحرب السورية، واليوم هذا الحشد المخيف ضد داعش!! والقادم أعظم، لأن من رحم داعش سيتناسل إرهاب لن يتوقف، ونحن سنبقى نبتلع الخوف والدمار والحروب والقتل ومشاهد الرعب، بينما الصغار والأطفال منذورون للأمراض الخطيرة التي تتفشى بينهم بشكل لا يمكن ربطه أو تبريره بغير هذه الحروب والإشعاعات والدمار الذي يقذف في الهواء كل يوم! المصانع تجرب إنتاجها، العسكر، الأميركيون والغربيون يتباهون بعدد انتصاراتهم على إرهاب من صنع أيديهم، وأيدينا طبعا، حتى لا نبرئ انفسنا، ومجانين السلطة والإرهاب وتوظيف الدين والجهل يدفعون المليارات لمزيد من أسلحة الدمار، بينما المنطق والعقل والحاجة تؤكد أننا بلدان بحاجة للعلم والعلماء والبحث والبناء والتعمير ومدارس الأطفال ومدن الألعاب والمشافي، والحدائق والجامعات والمدارس. . . ، لكن بلداننا تفرخ الإرهاب وتجد من يصدق الإرهابيين وتسير خلفهم في غيبوبة تامة، ليأتي من يعرض خدمات القضاء عليهم بمزيد من التدمير والتفجيرات، وهكذا يمتلئ الفضاء بالمزيد من الإشعاعات القاتلة لنا جميعا!! القضاء على الإرهاب مطلوب، ومهم، وعاجل، ويشكل حماية لنا جميعا، لكن لماذا لا يكون العمل بمبدأ الوقاية خير من العلاج، لماذا لا نقطع رأس الحية قبل أن ترفع رأسها، لماذا لا نقضي على الإرهاب في مهده، قبل أن يتنفس هواء التكون وأمل التمدد في بيئاتنا المختلفة، لماذا لا نعمل على عدم السماح بإمكانية وجوده من الأساس!