في كل موسم لنا مع التفاصيل الخاصة موعد لا تشبهه كل المواعيد، في رمضان لنا تذكارات وحكايات وأحوال تختلف عما نفعله طيلة العام، فلا طعامنا الطعام نفسه ولا سلوكياتنا نفسها ولا حتى الدقائق والثواني التي تعبر العمر بالطريق ذاته، وفي العيد لنا ذكريات يختزنها صندوق الذاكرة، كأرشيف إذاعة قديمة أو جريدة عريقة، وحين نغمض أعيننا تتوالى الصور واحدة إثر الأخرى، والغريب أنك تسمع ضجيج أصوات أهل الصور، عبور المشاة، صراخ الصبية في الأزقة، ارتطام الموج بأحجار المنازل المهدمة، وصوت العصا تضرب على علبة الصفيح كي تواري صوت جارتنا التي لا تكف عن الشجار، لقد ابتدعت جدتي تلك الطريقة كي تجيب بها على شجارها وكي لا تسمعه في الوقت نفسه!!
في هذه المواسم المختلفة ذات الخصوصية، حيث نحتاج لأصوات الحارات ومنازل اللهو القديمة، حيث نريد من كل قلوبنا أن نعود نحن الذين كنا لا الذين أصبحنا، أتذكر أحياء دبي القديمة التي سكناها صغاراً ولا زالت تسكننا حتى اليوم، فريج حي الراس، فريج الضغاية، فريج المرر القديم، وفريج عيال ناصر، والمرر الجديد، و...
لم يبق من هذه الفرجان إلا اسمها على خرائط تخطيط المدينة، أسماء لا زالت تجلجل في ذاكرة جيل طمست معالم ذاكرته تحت ركام مدن الأسمنت والزجاج وأقدام المهاجرين، وقسوة حياة صارت مادية أكثر مما يجب!
اجتاحني حنين جارف لحينا الذي لا زالت رائحته طازجة في ذاكرتي كرائحة عشب مبلل في صباح ندي، ذهبت محاولة الالتفاف من هنا ومن هناك، للدخول إلى ذلك الفريج ، فأثارتني نظرات عشرات الآسيويين ممن كانوا يبحلقون فيّ مستغربين وجودي و(تطفلي) على مكان تجمعهم ومركز حياتهم ومعيشتهم !.
كان السؤال مرسوماً بوضح في عيونهم: ما الذي أتى بهذه المواطنة إلى هنا؟ ووجدت البيوت لا تشبه بيوتنا التي لاتزال تعبق في الذاكرة بأشجار اللوز والسدر، أما البحر فغادر المكان بلا رجعة بعد أن كان على مرمى بصر من ملاعب اللهو، لقد كان جارنا وصديقنا ومحل الرزق وسيد الأسرار والأقدار الذي يؤتمن ولا يمكن العيش بعيداً عنه.
الناس ليسوا هم الناس، اللغة ليست لغتي ولا لغة أمي وأبي وجدتي وجيراني، وكدت أختنق، بكيت بصمت ثم غادرت الحي الذي لم يعد لي فيه سوى غبار يلتصق بجدران الذاكرة بعد أن اختفت كل الجدران التي شخبطنا عليها بالفحم وبقايا طباشير المدارس الملونة، وعليها كتبنا دروسنا التي تعلمناها في المدرسة وشيء من العبارات التي لا تفارق أطفال الأحياء.
وكلما اقتربت من حي آخر كان لي فيه بيت ولهو ولعب وأصدقاء، فاجأني المكان بالنكران وفاجأتني الذاكرة بالدوران !
أين نحن اليوم ؟ في أطراف المدينة بعيداً عن حقيقتها وتاريخها وهويتها، نحن اليوم نسكن أحياء بلا تاريخ، بلا جذور، أحياء ربما يصير لها تاريخ بعد سنوات طويلة وفق سنن الحياة والتغيير شرط نمعن في الذهاب بعيداً أكثر مما ذهبنا تحت ذريعة التطور والتغيير وسنن الله في خلقه، فتحت هذه المقولات ضيعنا مفاتيح بيوتنا وأمانة ذاكرتنا وماضينا، فسكنها أناس لا علاقة لهم بالمكان !!
هل نستطيع العودة إلى حارات اللهو القديمة؟ ربما يكون ذلك صعباً لكن هل سيؤسس أبناؤنا حارات لهوهم وذاكرتهم الخاصة وسيعمرونها بالتفاصيل والذكريات وسيتعلقون بها مثلنا؟


ayya-222@hotmail.com