صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

هل من عين للبكاء تُعارُ؟!

لفت نظري إعلان ظهر في أحد الملاحق التجارية الصادرة عن بعض صحفنا بالأمس، يعلن صاحبه عن توفر قصائد جاهزة، ومخيطة، وهناك أخرى حسب الطلب، مذيلاً الإعلان برقم هاتفه المميز لسهولة الحفظ والاتصال به، حيث تتراوح أسعار القصائد، حسب الطول والقصر، وحسب البحر والوزن، وحسب المناسبات، وحسب الشخص الممدوح فيها، وهناك قوائم تشكيل مسماة بأسماء كأسماء كؤوس الكوكتيل في الكافتيريات، فالقصيدة التي يشرحها وتكون وطنية، يكون سعرها عالياً خاصة في مناسبة عيد الاتحاد، أو الاحتفال باليوبيل، والقصيدة التي يطلبها مشجع رياضي بسبب فوز ناديه ببطولة الدوري تختلف عن سعر القصيدة التي طلبها مشجع آخر صعد ناديه من دوري المظاليم إلى دوري الأضواء، أما القصيدة التي تستدر العطف، وتثير الشفقة، وتنزل الرحمة، وتعطي منحة، فهذه سعرها غال، وجزء من النسبة، فالشعار المرفوع لديه: الخير يعم، والشر يخص· أما القصائد المتصلة بمناسبات دينية، فهي الأرخص، لأنه يُرجَى من نظمها الثواب والمغفرة، ورضا الباري، أما عيد ميلاد فتون فله قصيدة، وسعرها لا يقل عن سعر قالب الحلوى الموصى عليه بحرص من الحلوانجي السويسري، أما القصيدة التي تريد أن تهديها ندى الأيام الحزينة إلى صاحب الأجنحة المتكسرة، فسعرها هين، وفي مقدور الكل، القصيدة المغناة هذه تدخل فيها حقوق الملكية الفكرية، والتنازل عن هذا الحق يتطلب مبلغاً خاصاً، خارج الحسبة الأولى· ولأن المسألة أصبحت خياطة، و''شك تلّي، وتركيب فصوص'' مثلما تعمل بعض مصمماتنا اللائي كثرن هذه الأيام، بحيث يستوردن مصممين رطبين ومغمورين من تايلاند والفلبين و''يصمصمون'' لهن أزياء تحمل تواقيعهن الرفيعة، تماماً مثلما يعمل بعض فنانينا التشكيليين ''اللي راسمين على شيء'' بتوظيف رسام صيني بالأجر أو بالقطعة أو بالنسبة أو بحسب الطلب، ليبدع لهم اللوحات، ويمازج الألوان الحارة والنارية، بخطوطه الرفيعة والحادة والمعروفة عن سكان تلك المناطق البعيدة، والتي تختلف بالتأكيد عن ضربة ريشة العربي العريضة والمتموجة، وألوانه المتربة- هكذا تقول الطبيعة- ومن ثم ما أسهل التوقيع في ذيل اللوحة، والقول بالادعاء''هاي لوحتي·· هاي مالتي''· هكذا تفتقت ذهنية شاعرنا المرابط، فإذا كان كل شيء يحتاج ورشة، فالشعر والقريض أولى بها، خاصة وأن سوق عكاظ الشعري ماشي هذه الأيام، شاعر المليون، وأمير الشعراء، ومهرجان الشعر، وأكاديمية الشعر، ومجلات الشعر، وبرامج الشعر، وقنوات الشعر، ومسابقات الشعر، فلمَ لا تكون هناك ورشة لخياطة وتطريز القصائد حسب الطلب، خاصة في هذا الوقت العصيّ اقتصادياً، والمختلط نقدياً، بحيث لا تعرف أن تفرق بين الشَعَر والشِعر، وبين الجَرس والجَرَس، وبين الحَنّة والونة، وهي سوق وساحة للمتسبب والمتكسب، وقد يكون شاعراً يائساً ووصل به الحال أن يحرق كتبه وشعره، ولكن بطريقة مختلفة ومغايرة· فهل نسمع عن قانون يسن في قادم الأيام من قبل وزارة الثقافة يختص بالذين يريدون بيع شعرهم وإنتاجهم الأدبي أن يحضر ورقة عدم ممانعة من الوزارة، مثلما هو معمول به في وزارة الصحة التي تحظر نشر إعلان عن دواء أو مستحضر طبي دون ترخيص من وزارة الصحة! شاعرنا·· مهما تكن الظروف·· فالظنى غال·· ثم·· هل رأيت عيناً للبكاء تعار؟!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء