صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

البعد الشعري للوجود

يذرع الشاعر الحياة بحثا عن الشوارد والضالات، مهووسا بفضيلة اصطياد اللحظة الصغيرة التي يخطفها خطفا ويحاول أن يمنحها الخلود والرمز والمثل لكي يتعظ منها المجانين والحكماء. والناس في غفلة انشغالهم باليومي والعادي ترتخي حبال الخيال في رؤوسهم المحنية بحثاً عن القوت، وكثيرون ربما لا يشعرون بمرور الغيمة فوقهم ولا يتربص أحد منهم إلى لحظة اقتراب النجمة من القمر وقد لا يعنيهم ذلك شيئاً. لكن الشاعر وهو في عز الزحام قد يسرح طويلا في مشهد كلب أعرج يعبر في السوق وقد يلاحقه لاكتشاف مخبئه وسره لان البضائع، حتى لو كانت براقة، لا تعني له شيئاً. وفي السوق يرى الشاعر تداخل ظلال البشر وزوالها السريع، وقد لا يجد تفسيرا ولا معنى في مشهد البشر واندفاعهم وركضهم حفاة نحو الخسارة كل يوم. وفيما يحلم الضعفاء بالتيجان والجاه، يتمنى الشاعر أن يختلي بعيدا لكي ينغمس بكامل وجدانه في الورقة ويصير كلمة نورانية تحلق عاليا وتصبح في مضمونها الأخير، نجمة يهتدي بها الراحلون في سفن العشق والباحثون عن الحقيقة والساعون إلى الاقتراب من النجوى. وفي خلوة الشاعر تولد الحياة من جديد كلما خط بقلمه سطرا أو محى غيره، لانه ينثر بذور الكلمات في الأرض الجرداء ويظل يرويها من ماء الرؤى حتى يلين له التراب وتتفتح بعد صبر زهرة المستحيل البنفسجية التي تتلون بأطياف الكون كله. يستلذ الشاعر برسم الحياة كأنها تحدث الآن ودائما. طائر الحرية يستريح مجروحا نازفا على الأسلاك الشائكة فوق جدار سجن بعيد. امرأة فوق قمة جبل تفتح ذراعيها لاحتضان الريح وهي تنادي باسم الخلاص من اليأس. رجل وهمي يلتقي بذاته الحقيقية في مرآة مكسورة ويصبحان أصدقاء. هكذا يجد الشاعر لذة القبض على جمرة الوجود وتشكيلها على هواه. ليس بسبب قدرته على تركيب الصور وأنما في جنونه الذي يجرفه منح المجردات صفات عينية وتجريد المحسوسات من دلالاتها وأشكالها وخلقها من جديد في وجود آخر أعم وأشمل لانه وجود مفتوح على اللانهاية، فإذا كان الجبل في الواقع لا يتزحزح، فانه في الشعر يصير حصانا تمتطيه الريح وهي تصارع غيوم الخوف القادمة من جهة الشر. وإذا كان البحر قوياً في جبروته حين يهيج، فإنه في الشعر يصير دمعة مالحة تسقط من عين أم تبكي ابنها الغريق في العشق. منذ قرون والشعراء يمنحوننا بعداً ثالثاً للوجود، هو البعد غير المرئي الذي لا يطاله العقل ولا تقترب منه الفلسفة ولا يفهمه الحكماء أيضاً. هذا البعد الذي تتكسر قرب سواحله كل الشروط وكل المستحيلات ومن يدخل في افقه الرحب يتحرر أولا من قوانين الأشياء ومن منطق العقل المحدود المقيد في الزمن والمكان، وفي هذا البعد يمكن أن نطير وان نقبل القمر أو نجلس فوق غيمة راحلة أو ننام ولا نحتاج رلى الحلم. كل الحياة قصيدة لو تقتربين أنا وانت حرفان جائعان قرب الماء خطوتان تختفيان في معاني الرمل ولا يشعر بمرورهما احد akhozam@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

هناك أمل دائماً

قبل أسبوع

قصائد الكورونا

قبل أسبوعين

الحب: تعريفات جديدة

قبل 3 أسابيع

كورونا العقل

قبل 3 أسابيع

روضة الشك

قبل شهر

تراث التنوير

قبل شهر

سفك المداد

قبل شهر

أماكن التعايش

قبل شهرين
كتاب وآراء