ما إن خرجت نظرية الأدب مما عرف نقديا بصنمية النص التي دعا لها أنصار النقد الجديد في بريطانيا ووقعوا في ما وصفه ديريدا بالانحباس في النص وتقديس جمالياته منعزلا عن أية معرفة مسلطة عليه لاستيعابه وتأويله بتفكيك عناصره وكشف خطابه، حتى جاءت نظريات التلقي والقراءة الألمانية أو ما عرف بنظرية الاستقبال، فتحدث منظّروها عن (ذخيرة النص) التي يقابلها القارئ بخبرته بالنوع المقروء أو جنسه، ونشوء أعراف قراءة هي خلاصة مواجهة بين القارئ والنص: القارئ الذي يتمسك بأفق تلقيه أو انتظاره وتصوراته عن شعرية النص وما يمكن أن يجده فيه احتكاما لما أعطته خبرته في القراءة، والنص الذي بذخيرته المكتسبة من مزاياه النوعية وتراكم أفراد نصوصه يعدل ذلك ويغيره جماليا عند القراءة بما يأتي به من جديد فني لحظة الكتابة، كتعديل مفهوم الشعر وتحرير ارتباطه بالأوزان والموسيقى الخارجية. كان مصطلح الذخيرة يوحي بحرب بين النص وقارئه للإحاطة به. إنها مهمة سبق أن شبهها الناقد الماركسي تيري إيجلتون بترويض الأسد الذي هو أقوى جسديا من مروضه ولكن عليه ألا يدرك ذلك كي لا تفسد لعبة الترويض. كان ذلك التشبيه منبها لما يكتنز النص من قوة تظهر في بنيته: تراكيبه وإيقاعاته وما يبثه من إشارات ومعان. وقد وقفت طويلا عند هذا التشبيه خلال دراستي للماجستير المنصبة على تحليل النصوص عربيا وفق مناهج النقد السائدة، وحين طبعت الرسالة في كتاب وضعت ترويض النص عنوانا لها فقد وجدت المناهج المختلفة تضمر ذلك المفهوم أو تظهره لكنها تتفق على أن المحلل النصي والقارئ يتوجب عليهما التفوق على النص بالإحاطة المعرفية والجمالية لمستوياته: ما ظهر منها في بنيته المتحققة، أو ما ضمر مسكوتا عنه في بنية النص الغائبة. هنا يتاح للمؤول والمحلل أن يريا في النص ووفق شواهد نصية وليس رجما بغيب أو قراءة عابرة سطحية ولا يكتفي بقصد المؤلف أوما يضع من موجهات أو عتبات لقراءة نصه. فقد تكون مضللة أو رمزية أو متصلة بالمتن النصي نفسه. وستكون العناية بها مقتصرة على تعيين أفق النص نفسه والذي لا يلزم القراءة المستندة إلى التحليل والحفر في طبقات النص وما يخفيه. وذلك لم يفت النقاد العرب فقد اشترط عبدالقاهر الجرجاني على القارئ ـ وهو يتحدث عن قراءة القصيدة والحكم عليها ـ أن يبذل جهدا في تلقيه يقارب ما بذله الشاعر نفسه في النظم. ويشبه ذلك بجهد الغواص لاستخراج درة في صدفتها الكامنة في العمق، فعلى متأملها أن يبذل ما يوازي جهد الغواص عند استخراجها. تلك الأفكار استطرادات على أسئلة تواجهني حول التسمية والعنونة فقد أردت باختيار ترويض النص تلخيص المهمة الجمالية للقراءة ورسخ ذلك عندي وحاولت في ما قدمت من تطبيقات وتحليلات نصية لاحقة أن أتخيل تلك المواجهة لاستنفار طاقة القراءة أوذخيرتها في وعيي وشعوري معا..