تأتي أفكار الكتابة من التأملات، وتراكم التأملات. وتأمل في التراكمات. ويحصل أن تطرأ الفكرة في خضم انشغالات أخرى فلا يتهيأ أمر الجلوس للكتابة مباشرة، وقبل اختراع وسائل التواصل الاجتماعي كان الكاتب يضع الفكرة على دفتر، ويجلس لاحقاً يشتغل عليها. في الوقت الحالي صارت الفكرة تُرمى على صفحة فيسبوك أو تويتر، فيتلقفها المتلقي ومن تعجبه ومن يعلق عليها مؤيداً أو معترضاً حتى يشعر الكاتب المزعوم صاحب الفكرة أن الفكرة وصلت. وما الغاية من الكتابة في الأساس غير إيصال فكرة؟ وهكذا تُجهض أعمال أدبية كان يمكن أن تكون ذات قيمة يوماً ما بإخراج فكرة قبل أوانها. جنين غير مكتمل يسعى على الأرض فيظنه أبوه قد اكتمل، فها هو يسير في الطرقات ويصافح الناس، ومن لا يحب اختصار المراحل؟ والنفس البشرية مصنع كبير للأوهام والإيهام وما أقربها للكسل منها للعمل، فيسترخي أبو الفكرة الصغيرة المجهضة ويظنها قد صارت إنساناً كاملاً لا داعي للاهتمام برعايته. فيذهب للنوم وهو يشعر بأنه أدّى عمله لذلك اليوم. في حين أنه في الواقع لم يفعل أي شيء سوى أن دردش قليلاً مع أصحابه على الإنترنت. من هنا، كان لا بد أن تقف قبل أن تقذف بفكرتك الصغيرة في يمّ العالم الخادع. طبعاً أنا أتحدث عن الكُتاب المبتدئين، عن غير المتفرغين للكتابة. لكن من جعل الكتابة هدفه وشغله الشاغل من بداية يومه لمنتهاه فذاك يدرك قبل غيره كيف يروض فوران أفكاره. وربما ينطبق الأمر أحياناً أيضاً عمن تمرس الكتابة. لكن ألاحظ شخصياً أن الكتاب المتحققين يختفون من صفحات التواصل حتى يعودوا بعد فترة بإعلان عن إصدارهم الجديد. أما من يلقون الأفكار بكل سهولة فلن نسمع عن إصدار لهم جديد ربما قريباً أو في العهد القريب أو حتى بعد عمر مديد. فهم قد انتشروا في فضاء الوهم. وانتهى أمرهم قبل أن يبتدئوا. وإن حصل وأخرج المثرثرون النتيون إصدارات جديدة تكون ذات طابع لغوي مهلهل، وإن صحّت اللغة، لكنها بلا نكهة العمق المعتّق في سرداب العزلة. أفكار الكتابة بناتك. لا تقدمهن للخطّاب قبل اكتمال نموهن، قبل نضجهن، قبل أن تكون قد ربيتهن وعلمتهن ومنحتهن من رعايتك وحنانك واهتمامك وعنايتك ما يستحققن، وإلا ستنضم لطابور المتهمين بتزويج البنات القُصّر. ويا لها من جريمة. احفظ فكرتك، وابرك عليها كما يبرك الطير على بيوضه يدفئها حتى تفقس، لا ترم بيوض أفكارك تتكسر على الشاشات البراقة الخادعة فتُحرم من خروجها طيوراً حُرّه تزين حياتك برفرفة أجنحتها وصدى تغريدها بين يدي قارئ على الورق. وهذه هي غاية الكتابة.