(إلى ولدي زياد) الصبح طفلٌ خارج من رحم الليل، طري طازج، لما يزل في تنفسه الأول. الليل غيابي في الهدوء وفي الغفلة. صوتك التماع الدهشة.. ينبوع الظامئ.. نجم التائه.. نعمة الخلق والوجود أنت. وأنا في النعمة مليكة الليل والنهار. أخطر كالطيف وأنثني كالرجوع.. صوتك البعيد وأقرب من نبضي. صوتك قطرات الدم تسري في ذبولي.. دم الحياة حين أوشك.. صوتك أنت. أنت، أنت، الفضاء المحيط بكَ، موطئ قدميك، أشياؤك الصغيرة، أحلامك العظيمة، منامك، مطبخك، كأس نشوتك. أصابع الخلق في يديك.. الطفولة الناضجة في ضحكتك ولهوك هدوئك، صخبك القليل، ابتسامة الشفيفة، سمات جدِك. أنت كلك لا تعدّ ولا تحصى ولا تدرك ولا ينالك الكشف. موغل في طموحك وأحلامك، لطيف في قيامك وقعودك، مضيء في غفوتك ويقظتك، مترف في مائك وصابونك، متألق في مسرتك، شفيف في حزنك، مبحر في الموسيقى حين تغمر كيانك وتنغمرُ في غموضها. ساهيا عن الوجود في الوجود، غائبا في لجة الأفكار، طافيا كالعطر في الأثير. أثيريٌ أنتَ!.. طيفٌ يخطرُ في غفلة الكون، مصباحٌ في عتمتي. مساءٌ شفيف في هجير قيظي. محلقٌ حين يقعد الناس. هادئ حين يصخبون. كتب العصور كلها مطمئنة بين يديك، آلات التصوير، غرفة الكشف والتظهير، الشرفة المطمئنة، الهمس الخفي في سكون الليل، حذر السناجب بين أسرار الصنوبر، حرير العشب مترف تحت قدميك، نهنهة الضوء الخافت احتفاء حين تخطر في طرقات الغابة. غابيٌ أنتَ!.. كثيفٌ في اخضرارك، شفيفٌ في حضورك، غامضٌ في بواطنك، مضيءٌ في مسراك، خصبٌ في سريرة مائك! مائيٌ أنتَ!.. الأنهار بعض فيضك، المحيطات مسكنك. أنت كلك محيط ٌ، ومحيط بكنه روحك، بما عليك وما لك، بما تأخذ وما تعطي، بما تروح إليه وما يجيء إليك، بما يمتلكك وما تملك. ملكٌ أنتَ!.. لا مليك عليك إلا أنت، لا إرادة إلا إرادتك، لا اشتهاء إلا ما تهوى وتشتهي. باذخ في شموخك، شامخ في خضوعك، متعال في تواضعك، متواضع في علوك. لا تعلو على أحد ولا تتدنى دون أحد. لا يسمك النقصان ولم تبلغ الاكتمال بعد. متوحد كما كنت في رحمي، كما جئت بك إلى الدنيا، عارياً إلا من احتمالاتك كلها. حراً، مبتهجا، متشهيا، طلقا، أرضيا، سماويا، واحدا، كونيا. لا حدود تضيق عليك ولا قيود تشد قدميك. لا بشر تعلو عليك ولا بشر تتدنى. طائعٌ كأنك الماء، نافرٌ كأنك الشهب. زيادٌ أسميتك لأنك زادي وياقوت قلبي، ألف شموخي ودليل دربي في المتاه. أنا المرأة التي من طيني عجنتك، من دمي، من خفق قلبي ونبضي، من نشوتي، من خلاياي كونتك.. كيف لأصابعي القليلة، لكلماتي الشحيحة، لذراعي القاصرة، لحضني الصغير أن يحتضنك؟ أنت سلالة العصور والأنهار والكائنات منذ هيولها. أنتَ اختزال الخلائق والخلق واكتمال الحضور. أنت الكثير، الكثير المتعدد. وأنا المرأة القليلة في الحضور، القاصرة في البلوغ، الضالعة في الغياب، التائهة في المنى.. كيف لي أن أحتويك وأنت بسعة الكون، وكيف لي أصفك وأنت موجود وطلقٌ كالبهاء والمطلق!