عندما تكون في القاهرة، لا جناح عليك إن ساقتك الرغبة لشراء “كوز” ذرة مشوي، وأن تنتحي به جانبا قصيا أو مرئيا من كورنيش النيل، لكي تلتهم حباته اللذيذة وتقضي بقية نهارك محاولا إخراج بقاياها من بين أسنانك. وفي قيظ دمشق، فلن يلومك لائم إن ساقتك الشهية إلى حي المهاجرين الرئاسي لكي تشتري من “الشباب” الذين يحرسون النواصي ثمار الصبار (التين الشوكي) المثلجة، تخفف بها وطأة اللهيب. وفي صقيع لندن، فإن حبات من الكستناء المشوية ستكون لقيتك الحميمة في “أوكسفورد ستريت” تعالج بها جليد أصابعك وما ظهر من وجهك. وفي باريس، لن تنسى أن تبدأ نهارك، من عند تلك الصبية في حي “السان ميشال” وهي تستقبلك بضحكة من العينين، وتودعك بأمنية صباحية مناسبة مع فطيرة “الكريب” الرافلة بالعسل. أما إذا ساقتك الظروف إلى فيينا، فلا تهدر وقتا قبل أن تقصد ساحة “الموزييم كارتير”، لكي تشتري من هناك قصيدة وتعتزل المكان والناس وتروح “تمزمز” أبياتها وكلماتها على مهل. بدت هذه الفكرة، حينما شاهدتها للمرة الأولى فانتازية. في العام 1995 صنع المخرج الأميركي ريتشارد لينكلاتر، فيلما كان هو نفسه قصيدة. عنوان الفيلم BEFORE S NRISE، وفيه يلتقي شاب وفتاة جمعتهما صدفة ورحلة طريق غير مكتملة. هو أميركي وهي فرنسية. يقضيان ليلة كاملة وهما يجولان في شوارع فيينا الساحرة بكبرياء، بانتظار رحلة كل منهما. عند ضفة نهر يلتقيان بشاعر معدم بوهيمي يستعطي المارة. طلب منهما المساعدة، فاعتذر الشاب بأنه لا يملك ما يكفي من المال، فقال الشاعر: سوف أعرض عليكما صفقة. أعطياني أي كلمة أو عبارة، وسوف استخدمها في قصيدة أؤلفها أمامكما فإن أعجبتكما تدفعان لي. تحمست الفتاة فقبل رفيقها على مضض واختار عبارة (حليب مخفوق) MILK SHAKE. انتحى الشاعر جانبا، وكتب القصيدة، وعاد يقرأها عليهما. كانت قصيدة رائعة من أجمل ما قرأت أو سمعت في الإنجليزية، واستخدم فيها (الحليب المخفوق)، وانصاع الشاب لطلب الصبية ودفع للشاعر بضعة قروش. وعند مغادرتهما قال الشاب لرفيقته: إن هذا الشاعر قد يكون عنده مجموعة من النصوص الجاهزة، ولديه المقدرة على إدخال أي عبارة يقترحها عليه السياح مع بعض التعديلات للحصول على نقودهم. أجابت الفتاة: لا يهم، فقد منحتني القصيدة شعورا رائعا! الأسبوع الماضي، طردت شرطة فيينا شاعرا من المكان عينه، ظل يوزع على العابرين ما تجود به قريحته، ويستعطي ما تجود به أيديهم خمسة وثلاثين عاما. لم تفسّر الشرطة سبب هذا الإجراء: فهل يكون الشاعر مسؤولا عن تسهيل الحب في الشارع؟ أم إنها أرادت أن تشاركه ربحه؟ أيا ما كان الأمر، فإن هذا المشهد الفانتازي، في الفيلم أو في الساحة العريقة، يجعلنا نتساءل: هل هي صفقة عادلة أن “يبيع” الشاعر قصيدة مقابل بعض القروش يشتري بها سجائر وجعة، وأن يحصل الشاري في المقابل على نشوة شعرية؟ لا أعرف إجابة حاسمة عن هذا السؤال، لكني أعرف إن الشعر ليس سلعة نشتريها من عند “كارفور”، أو دواء نحصل عليه من الصيدلية بوصفة طبية