يعتبر فن الصوت من الفنون الجميلة الأولى التي دخلت الخليج العربي في وقت مبكر ولاقت استحسان أهالي الخليج في القرن الماضي، ليصبح هذا الفن واحداً من وسائل التعبير لدى أبناء أجيال من أبناء الخليج. والمتتبع لأصول هذا الفن يجد أن جذوره تعود إلى ميلاد الدولة العباسية التي اشتهرت من خلالها العديد من الفنون والآداب، فقد شهد ميلاد الدولة العباسية بزوغ حضارة متكاملة في مجالات الفقه والطب العلوم والآداب، وكان من الطبيعي أن يمتد تأثير هذا الفن الأقرب للشخصية العربية إلى منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية، فقد تركز هذا الفن قديماً، حسب المصادر الوثائقية، في منطقة الحجاز، لكن سرعان ما انتشر بشكل لافت في البحرين والكويت وبقية الدول الخليجية، وكان له مستمعوه ومحبوه، بعد أن تحول إلى مدرسة تبارى العديد من الموهوبين في التغني به. وكان من الطبيعي مع وجود قبول عام لهذا النوع من الفن أن يكون له رواد في هذه البلاد التي استوطن فيها وهناك أسماء من الفنانين اشتهروا بفن الصوت وأبرزهم محمد بن فارس وضاحي بن وليد ومحمد زويد في البحرين، وفي الكويت اشتهر به الفنان عبد اللطيف الكويتي وعوض الدوخي وهو واحد ممن اجتذب ملايين المستمعين حول العالم العربي بصوته الشجي وخصوصا عندما غنى أغاني أم كلثوم إلى جانب عبد الله فضالة وعبد العزيز بو رقبة ويوسف فوني.. ومن عمان الفنان راشد سالم الصوري وعوض حليس، ومن الإمارات الفنان الراحل جابر جاسم، ولأنه بات يشكل تراثا خليجيا بامتياز فقد أكمل الفنان عذب الصوت عبد الله الرويشد وبرع فيه بشكل لافت، كما غنى العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ عند زيارته الكويت هذا الفن بأغنية في ستينيات القرن الماضي «يا هلي كفوا ملامي». والصوت فن صعب الأداء يحتاج إلى حنجرة قوية ومتمرسة، ويعتمد فن الصوت في كلماته على أبيات صعبة من الشعر الفصيح كدليل على جمالية هذا الفن الراقي. ومن أحلى ما سمعته صوت للفنان محمد زويد في قصيدة يقول فيها: «أقسمت بالبيت والأركان قاطبة ... والمشعرين ومن لبى على الجبل لأنت عندي وإن ساءت ظنوني بك... أحلى من الأمن عند الخائف الوجل». الغريب أن الغالبية العظمى من جيل الشباب لا تعلم أي شيء عن هذا الفن الذي شكل وجدان أجيال من أبناء الخليج العربي على مدى عقود، وعلى كثرة البرامج التي تتحدث ليل نهار عن الفن والغناء والموسيقى لم أصادف، ولو من باب التذكرة، أحدا يتحدث عن فن الصوت في زمن باتت فيه الغلبة لأشباه الفنانين.