هكذا تبدأ الفكرة عندما تطرأ داعش في المخيلة، مثل قمامة في حضن حفرة، مثل جيفة زاحفة على ظهر موجة، مثل سروال رقيع على حبل غسيل، لأن في عرف الفلسفة أن الشعوذة تبدأ في الأفكار وتنتهي بالقاذورات، ثم تذروها الريح وتصبح جفاء منكراً.. هذا بدأت داعش والمرتزقة والزنادقة يحرقون المراحل ويتخطون تلال المعرفة بخفاف حافيات وعقول جف معين فطنتها وحكمتها وشكيمتها، وباتت مثل كرات تتقاذفها أقدام مبتدئين لاهين عابثين يدهشهم اللون الأحمر كـ «ثيران» الحلبات الإسبانية. هكذا تخبو الحضارات وتتوارى الطاقة الإيجابية عندما تطفو على سطح الأرض، حثالات المنافي وما فاض من موائد الشيطان وما خاض في أتون الذاكرة المثقوبة.. هكذا يتحول الكائن البشري إلى نصاب أخطأ الحساب وذاب وشاب وخاب وعاش في الأرض بمخلب وناب، ولا أسباب غير بطلان الحقيقة وضياع الفكرة وتيه في وديان وهضاب والعذاب كل العذاب لمن يفقد هوية الوطن ويعيد جزءاً من أضراس وأنياب، يحاور الدنيا بسكين وقناع أسود مثل الليل، داكن دامس مثل قلب صاحبه، عابس مكفهر، مثل أحفورة نسيتها الحضارات في معطف الذاكرة، فبدت خنفساء الوقت تخبئ في جوفها بقايا مشاعر مفقودة. هكذا يصير لداعش صولة وجولة عندما تتحول الأوطان إلى فتيلة مغموسة بكربون الفَناء عندما تصير الأوطان طوفانا يفتك بطوفان وطائفة مهووسة ببريق الألوان. هكذا يصير لداعش زمان تشكل فيه رداءها الأسود وتمضي في حياض الناس تبحث عن حلم أشبه بالكابوس وتحتسي من دماء القوم زيتاً يشعل لياليها الراعشة وتتسيد في الموقف، محتدمة متورمة، متفاقمة، متلاطمة، مثل صخور واد أحمق عصبي. هكذا يصير داعش في الوعي مثل جرثومة غامضة رابضة في الجسد كحبل من مسد، أو طاعون مستبد بسكين وقناع، ترنو إلى الغد باستمتاع تكفر وتنفر وتستنفر وتظفر أو لا تظفر، وإن يخطر على بال بشر أن الخطر هنا وليس هناك فتلك محنة العقل المستتر. هكذا يصير داعش مطية الدهماء والشعواء والعشواء والافتراء يخترق ويحترق ويفترق ويستنطق الشيطان في الجهر والكتمان، لعل وعسى يبرئ ساحة من أجرموا وسوموا وأبرموا صفقة مع الخيانة. هكذا يصير داعش أشهر من أبرع راقصة في الكون، لأنها بفعل فاعل استطاعت أن تهز الوسط والمحيط واستطاعت أن ترعش وتغبش وتتفشى في الضلوع بلا حسيب ولا رقيب، والآخرون كل يغني على ليلاه، وليلى في العراق مريضة وفي سوريا تعاني من أنيميا، وفي ليبيا تفككت مفاصلها، وفي اليمن ربما لا تجد ما يستر العورة، وفي تونس تتعرض لانتهاكات شرسة من قبل إخوان الصفا، أما قيس فربما لم يستطع إكمال قصيدته العصماء في هذه البلدان لأنه شفه الشظف فاستخف واستلطف الفراغات الوسيعة، فبات مجنوناً يهذي في الليل ويطوي سجل وعيه في النهار والله يرحم أيام زمان يوم كان العراق عراقاً لا أعراق وسوريا شهباء وتونس خضراء واليمن جنات عدن.