من الرحلات التي لا تُنسى، ولن يصبك السأم أو الندم، خاصة إن كان هدفك نشدان النسيان، وجلب الفرح لقلبك المثقل، رحلة متوسطية للجزر الإسبانية الراقصات: ميوركا، منوركا، إيبيثا، فورمينتيرا، وفورمينتيرا، والتي تعرف بجزر «البليار»، قد لا تعود لها ثانية، لأنها من الأماكن التي تعطيك جمالها دفعة واحدة، وتودعك، وقد تأتيها كبحّار ضل طريقه، وكان قريباً، وكان هناك ما يستدعيه ليضع رأسه ويستريح، وكشأن الجزر حين تدخلها تشعر بالفرح والطمأنينة، هرباً من الريح والموج، وما يخبئه الأزرق للناس، تشعر أنك قد تبني بيتاً من قش أو تتخذ لك من صخورها كهفاً، فجأة يحضر الاستقرار، ومشهد الأطفال، وأن تخرج ما خبأته من أموال من أسفارك الطويلة، غير أن لهذه الجزر ترحابا آخر، هي حيّة بالناس المتقاطرين عليها من بحار العالم، جالبين معهم ضجيجهم، وضحكاتهم، وشهواتهم، وإغواءاتهم، وساحرة بأماكنها، وتلك الألفة التي تطرحها عليك، فلا تجد نفسك غريباً منذ اللحظة الأولى. كانت تسمى جزر «جيمنسي» (Islas Gimnesias)‏ عند اليونان، وتعني العاري أو الجزر الجرداء، لأن سكانها كان في الغالب عراة، كما هم الآن في صيفها، نظراً للمناخ المعتدل بها، غير أن البعض يرجع التسمية للفنيقية نظراً لطبيعة سكانها الماهرين بالرمي بالسهام، أطلق عليها العرب الجزائر الشرقية، تبلغ مساحتها حوالي خمسة آلاف كم مربع، وسكانها قرابة المليون ومئتي نسمة، لكن الغرباء هم من يعطونها تلك الروح والمشاغبة واختلاط ليلها بنهارها، تجد فيها المسافر الأجرد، إلا من حقيبة منامه على ظهره، ويسكن حدائقها، يفترش أرضها، ويتغطى بسمائها، وتجد الغني الفاحش التي يلتهم طاولاتها الخضراء بالأوراق المالية، وطاولات طعامها المشتهى، إيبيثا أو إيبيزا تكاد تكون لهؤلاء المشاهير الراسية فنادقهم المتحركة، يصعب عليك التمييز فيها بين تاجر سلاح أو مهرب مخدرات أو سليل نعمة متوارثة عبر أجيال من الإقطاع، وحده الليل قد يجمع الجميع، ويسود ذاك الود المسكر لساعات قبل أن يصحو الكل على نهار له عيون. تمضي ساعات الأيام في هذه الجزر بسرعة، تتناوب على وقتها المطاعم الفاخرة والتي تقدم خزائن البحار من ثمار، بعضها يمشي على عشر، وبعضها يترجرج، وبعضها الآخر رخو، وأشياء يجفل منها شخص مثلي، يفضل الأكل المعروف، ولا يغامر خاصة في وجبة العشاء بأي مقترح، ولو حلف ذلك الـ»شيف» على شاربه، وقبعته أنها وجبة ملوكية، وتزيد من عافية الرجال، غير أن هناك مشكلة كثرة الملح عند الإسبان، ولا أحد يجيبك عن السبب، لذا لا تستغرب إن سمى العرب مدينة «مالقا»، والتي تعني الملح، غير أن السبب لابد وأن يكون جوعاً تاريخياً أو أنه بذخ من كثرة وجود الملاحات في كل مكان، يا لها من رحلة سكّنت النفس!