تبادى ذلك الغبش الآدمي من بعيد، بينما بقيت أمارس عادة حاولت أن أتخلص منها مراراً، لكنها مع الوقت أصبحت متعة جميلة، وهي محاولة قراءة الوجوه والتصرفات الإنسانية، وردود أفعالها السريعة، كانت سرعته لا تنم عن اهتمام كبير، بقدر الارتباك غير المبرر لزائر المدينة، وكأنها المرة الأولى، وتضيعه تفاصيلها التي يراها متشابهة، إضافة للخوف والحرص من أن يغمط أو يسرق أو أن لا يرجع إلى قريته مرفوع الرأس، وهو يحكي بطولات وهمية لم تحدث إلا في عقله، أو حدثته بها نفسه، ولم يجسر على فعلها، كان ذلك الغبش في مشيته التي يرفع فيها بنطاله البني الغامق، والمنفلت من كرشه البارزة قليلاً، ومن حزامه المرتخي إلى سرته كل ثلاث خطوات، كان أشبه ما يكون بمصطاد الأرامل الحزانى في ظهيرة قاسية، وأوشك على ملامسة جنابة أو نجاسة، وأدركه القوم فجأة، قميصه المشجر، النصف كُم، كان في غير وقته، وتلك الشعرات النافرات المتعرقات في أعلى الصدر تبدو كأشواك سنبلة قمح حرقتها الشمس في مكانها، عيناه لا تستقران على موضع أو شيء ليتأكد منه، كانت في يده اليمنى تلك الحقيبة السوداء الصغيرة التي عادة ما يحضرها المغتربون في الخليج معهم في إجازتهم الصيفية، والتي أكرهها كثيراً في أيدي الرجال، حيث تبدو السذاجة عليهم، مما يعرضهم دائماً للنصب عند منعطف أول طريق، كان يلهث، ويتصبب عرقاً، مما يعني أنه مشى طويلاً، وتاه كثيراً، واحتفظ بثمن سيارة الأجرة توفيراً، اقترب مني متوسماً الخير فيّ أو اعتقد أن هذه الأوداج المحمّرة لا بد أن تكون على قدر من الفهم والعلم، وكثير من الدراية، واعتقدت أنا كلما اقترب أنه سيتوسم فيّ الخير، وربما له تجربة في الخليج، ويعرف بعض سيمائهم، فيطلب مالاً، لأن أمه ليست على مايرام، ومحتاجة إلى دواء أو أن لديه أولادا غير قادر أن يطعمهم، ولهم ثلاثة أيام بلياليها لم يتذوقوا إلا الحساء وكسرات الخبز، أو أنه جاء إلى المدينة وغرر به وسرقت أمواله، ويريد العودة إلى أهله، كتلك الأسطوانة التي تخص الشحاذة والتي يمكن للإنسان أن يسمعها في كل مكان، وبكل اللغات، لكن لهاثه المنقطع جعلني أغير رأيي، فالرجل يغذ السير لشيء ذي معنى أكبر، ولديه قضية يريد أن يلاحقها، سألني وهو يمسح العرق بيده عن لحيته الحليقة: يا أخي.. تعرف السفارة الإسرائيلية؟ بيقولوا هون؟ ناظرته بطرف عين، فرد: هيك.. قالوا لي.. فقلت له: بالله عليك.. لم تجد من أمة لا إله إلا الله أحداً غيري لتسأله هذا السؤال، وكأنك عاني وقاصد ترك من يكتظ بهم هذا الفندق، وطالب نخوتي، وشيمي وعروبتي أن أدلك على سفارة إسرائيل، أقولك.. والله لو كنت أعرفها ما دللتك عليها.. أمش.. أنقلع!


amood8@yahoo.com