رجل حزم حقيبة السفر وتأبط أحلامه وشدّ الرحال إلى الديار المقدسة لأداء الفريضة.. أحلامه أن يغفر له ما تقدم وما تأخر من ذنب، وأن يقضي الأيام في تلك الرياض المباركة دون منغصات ولا منكدات ولا معكرات صفو.. أحلامه بأن لا يلكزه كوع من النوع العريض الغليظ فيرديه تحت الأقدام وألا ترفسه قدم بحجم الألواح الخشبية ذات السماكة والصلابة التي لا تلين لضعيف ولا ترق لمبتهل.. وأن يحظى بالرفقة الطيبة السمحة التي تملأ فراغاً بعد فراق الأحبة، من أم وأب وزوجة وأبناء.
وأحلامه أن يصدق معه أصحاب الحملات الذين أصبح معظمهم كالمنجمين، كذبهم أسبق من صدقهم، فما يفرشه أرباب حملات الحج من سجادات حمراء وبسط منمقة متأنقة تغري حتى الذي لم يستطع للحج سبيلاً فيفعل المستحيل حتى يلتحق بهذه الحملة أو تلك، ولكن عندما يصبح الفأس في الرأس تختلف الأمور وتدلهم الثغور ولا يجد الحاج على أيدي هؤلاء غير الويل والثبور وعظائم الأمور، فيعود خائباً مكتئباً لا يحمل من مشاعر الفرح غير سعادته برجم الشيطان والشياطين كثر.
وأحلام الحاج بألا تتأخر طائرة عودته إلى بيته وذويه لمدد تتجاوز الساعات الطوال يقضيها بين القلق والانتظار الأشبه بالتعذيب.. أحلامه أن تكون العودة ميمونة لا تشوبها شائبة ولا تنكدها خائبة، لا تعكرها نائبة من نوائب الصالات الباردة والأبرد من صقيع سيبيريا يقضيها الحاج وعيونه معلقة في السماء والشكوى لغير الله مذلة.
أحلام الحاج في كل عام تتكرر ويعاد نسخها ولا جدوى من الحديث عن مآس من فعل البشر وتصرفات تتجاوز حدود الأماكن المقدسة وتتطاول على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.
أحلام الحاج أن تسير الأمور بيسر لا عسر كما سار الدين في قلوب الملايين من البشر على مدى القرون.. أحلام الحاج ألا يكون لشركة طيران ما قرار تحويله إلى كائن مرهون مسجون بين جدران صماء وفضاء أضيق من صدور الذين لا يحترمون الإنسان، بارد أبرد من مشاعرهم المتجمدة.. أحلام الحاج أن نحترم أحلامنا لأنها تعبر عن مشاعرنا وأحاسيسنا ومخزون ذاكرتنا تجاه موروث ديني استوطن الوجدان فأصبح جزءاً من حياة الإنسان ولا مجال للعبث في مشاعر الناس، الأسباب ظاهرة أو خفية.
أحلام حاج أحب الله فذهب لأداء فريضة من فرائض دينه وأحب خلقه فرافق من مرافق بحب وود، ولكن بعض الخلق على خلاف مع الأخلاق، وفي نزاع دائم مع القيم، لذلك فهم يغيرون ما ثبت ويبدلون ما رسخ ويساومون حتى في مشاعر الناس.. والله المستعان.


marafea@emi.ae