حدث مرة في صيف عمّان، وقبل أن ينهي القرن العشرون سنواته، أن كنت مشاركاً في مهرجان جرش، وهي فرصة جميلة على العاقل أن يغتنمها، لأن عمّان تضم أصدقاء جميلين، ولأن عمّان هي أول عاصمة عربية زرتها في مشوار السفر وحب التجوال، وكان ذلك عام 1977، ولأنها من المدن التي لا يمكن أن تودعك دون أن تضيف شيئاً جميلاً لذاكرتك، أو تمنحك أفقاً للكتابة، لكنها في المقابل من المدن المطعمات المرضعات، لذا عليك أن تتيقن أنك لن تخرج منها خاوي الوفاض، فهي وأبناؤها سيمطرونك بكرمهم المعتاد، وبأسئلتهم ونقاشاتهم التي لا تنتهي في كل شيء، بدءاً بالسياسة وانتهاء بالسياسة، وسيزيدون هذه الجثة عدة كيلو جرامات دون أن تشعر، إلا حين تصل دارك وتلبس أسمالك، فتشعر أن أحداً غريباً يشاركك الثوب الأبيض، فتتذكر الأسباب أن عمّان تسليتها للسائح تلك المطاعم والمقاهي المتعددة، وتلك الأطايب المشكلة، وإن تلقفك أهلها فستدور على بيوتهم بيتاً بيتاً، هذا على غداء وآخر على عشاء، وهذا يحلف بأيمان غلاظ، وآخر بالجيرة وواحد برأس أولاده والثاني بالطلاق من أم محمد، وكلها صوان من “المنسف من اللي يحبه قلبك”، وبعد وجبة الأسد تلك لا بد وأن تدار صينية الكنافة النابلسية الساخنة، بجبنتها السائحة، وسمنها البلدي، وقطر السكر والزهر، فتصبح أنت الزائر الخفيف والمحب للتخفف والخفة مشروعاً للتعليف والاكتناز، ومحطة لتجريب الكرم العربي والضيافة الحاتمية، وهم من هم؟! صبابو القهوة، ومسقوها للنشامى على ظهور الخيل، فكيف إن كان هذا الضيف على أرضهم، ويدّب على تراب بلدهم وعشب منازلهم، ولا تنفعه الأيمان الغلاظ أن لا يقرب مثل تلك الصواني بعدما يشبع، ولا يريد إلا أن يكوّع، ويمد قدميه ويستريح في نومه.
لذا قد يكون هذا مدعاة لزيارة عمّان سراً، أو سبباً لخطف الرجل إليها سريعاً أو التباعد بين الزيارة والأخرى، لكنها تبقى من المدن العربية النظيفة التي تحترم زائرها والتي لها عطرها الخاص ذلك الذي ترسله الهبوب الباردة من جهة فلسطين وأم المدن القدس. ?ذات ظهيرة ضجرة من ذلك الصيف في عمّان، والشمس يمكن لها أن تحرق عشب المدينة، كنت أتململ ماشياً أو أتأمل واقفاً، رجل تسند رجلاً، كصافنات الخيل، لا شيء مميز ذلك اليوم، الوجوه كعادتها هنا مكفهرة، ويزيدها دخان السجائر غير المنقطع لوناً رمادياً غير محبب، والابتسامة قد تخدش الرجولة الوقورة، أما الضحكة المجلجلة، فتذهب بالهيبة وصلابة الرجال، على كل حال هذا شأن المدن الذكورية، وعمّان إحداها، هي جادة أكثر من اللازم كعسكري ملتزم، ويشعرك الخلق الكثير فيها بصعوبة الحياة، وقسوتها، وأن هناك نذراً للتعب والمجاهدة والصبر الطويل، في متعة التأمل تلك رأيت غبش رجل من بعيد.. وغداً نكمل.

amood8@yahoo.com