حين تأملت طريقتها في المشي ذهلت، كان بالكاد يلوح زمن. الزمن الرابض بوهن في المسافة التي لا ترى بين قدميها والإسفلت، وما بين خطواتها ودرجات السلم الثلاث، أهذه التي كانت تمر قفز غزال بين الرصيف والمارة؟، أهذه التي طالما أشاحت بناظريها زهواً عن الجميع؟. سألت نفسي وأنا أتأمل تلك العجوز الواهنة تشد نفسها للحظة الآتية بصعوبة، يوغل فيها الطريق الممتد عذاباً، وهي ترنو إلى نهايته بأسى، وحيدة على الطريق تمضي، ووحيدة تكمل الأيام الباقية، لا أحد تستند إليه أو عليه، لا أحد يلقي عليها التحية، حتى بالكاد صبية يتأرجحون في الهواء على زلاجاتهم يمرون بها سراعاً يتفادون الاصطدام بها ويتضاحكون لهواً. ربما فعلت مثلهم ذات عمر، ربما تتناهى إلى مسمعها الآن وهي تبسم وقع ضحكاتها التي كانت. أتبعها، بينما عيناي تتفحصان آثار خطاها الواهنة، أتبع الزمن الصاعد هروباً من بين قدميها، وأسأل اللحظة: ماذا أبقى الزمن لها؟ ماذا تتمنى هذه العجوز الآن؟ أي حلم لا يزال قابعاً هناك في تلك الذاكرة الهاربة وربما المعطوبة؟. نعم، كلنا هاربون ومعطوبون بشكل أو بآخر، ومع ذلك، فهروب العمر حارق وعطب الذاكرة قاسٍ بشكل لا يصدق، حين تعيش في الفراغ أو في بياض الوقت، حيث لا ملامح ولا تقاطيع ولا أسماء ولا تضاريس تمنح التفاصيل والوجوه شكلها ولونها وأسماءها. حين تطارد اسماً تعرف أنك تعرفه جيداً، لكنك ما عدت قادراً على تفكيك لغزه، تصير الذاكرة لغزك الأكبر والمنهك، وتصير أمام الوجوه متلعثماً، لا تملك أمام الأسئلة سوى ظل ابتسامة بلهاء. تلك العجوز أعرفها، أعرف عمرها، أعرفها تماماً، وأعلم أن كل شيء قد ذهب منها إلى غير عودة، إنه الغياب الكبير، ما قبل الغياب الأخير، وأعلم أنه “مَنْ يَعِشْ ثمانين حولاً، لا أبا لكَ، يَسْأَمِ”، فكيف بمن تجاوز الثمانين بكثير؟. لكن، هل يسأم الإنسان الحياة فعلاً؟ ذاك الذي سئمها لم يرها أصلاً، لم تتلون الأشياء ولم تتكور التفاصيل أمامه. لم يعش حقيقة الحياة بقدر ما عاش ظلالها، وهل تكون الحياة حياة حين لا يستطيع صاحبها أن يراها ويوثقها، ويعيش لحظاتها بكل النزق والفضول والاندفاع لحظة بلحظة ويوماً إثر يوم؟. ما الحياة لولا تلك الوجوه والمشاعر  والمشاوير والأشعار والعشاق وقصص الحب والصراع، والجيران والأصحاب والأطفال والأسفار والعواصم البعيدة والأشجار والظلال، والبحار والكتب والقصص والأعياد والثرثرات وروائح القهوة والعطور، والورود والثياب والمرايا والـ...؟؟، فذلك كله وكثير غيره، هو ما يجعل الحياة حياة، جديرة بالعيش فعلاً، وبالتذكر والتمسك بها والحسرة على ضياعها.  ما الحياة لولا الإيمان؟ وأول الإيمان أن تؤمن بأن هذه الحياة لا تعاش في البطء، ولا تقاس بالسنوات، ولا تدخر للغد، اللحظة التي تنتهي لا تستعاد، كما السهم إذا أطلق لا يرجع، وكما النظرة إذا غادرت العين لا تعود، الحياة لا تعاش بالنيابة عن أحد ولا بطريقة التأجيل ليوم آخر، لا يمكنك أن تخبئ الأيام في جيوبك، كما لا يمكنك اعتقال المتعة في ناظريك. إن الإيمان بنعمة الحياة يعني أن تقتحمها وأن تذهب إليها، فذات يوم سيذهب وهج القلب وستصير الحياة مجرد سؤال تائه لا جواب له، تتعثر به في طريق طويل لا تستطيع إكماله بسهولة، كهذه العجوز الوحيدة التي أعرف تماماً أنها عاشت الحياة كما يجب، رغم الألم والتعب والعطب، فهذا أحد وجوه الحياة أيضاً. ayya-222@hotmail.com