إذا صح أن قصيدة «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي» هي آخر ما كتبه الراحل محمود درويش، وأعطى عنوانها ليكون عنوان ديوانه الأخير أيضاً، فإن دراستها بكونها قصيدة رؤيوية ستؤكد تلميحاته التنبؤية لموته مثلا. مات محمود درويش يوم السبت التاسع من شهر كهذا عام 2008. قبل ذلك قال: «صدّقتُ أني متُّ يوم السبت/ قلت عليَّ أن أوصي/ فلم أعثر على شيءٍ../ وقلتُ عليَ أن أدعو صديقا ما/ لأخبره بأني متُّ/ لكن لم أجد أحدا». وستكون لقراءتها بمطابقة حادثة الموت تأويلات كثيرة تشجع عليها القصيدة التي تعيش في النص فتكتسب حياتين: كتابتها ومحاورتها، لأنها هي المؤنثة التي يخاطبها منذ البدء، حين يلتقي موته ويهديه وردة على وعد أن يلتقيا حين يريد الموت ذلك. هو عائد من قيامة سمع (هسيسها) واقترب، لكنه عاد ليروي للقصيدة ما حصل له: «ها نحن نروي ونروي بسرديةٍ/ لا غنائيةٍ سيرةَ الحالمين، ونسخر مما/ يحل بنا حين نقرأ أبراجنا». يحس محمود درويش أن غنائياته ليست مما يمكن أن تحتمله قصيدة العودة من القيامة. السرد هو الحل. يقص على قصيدته تأجيل موته. ولما كان يقص والقصيدة تستمع؛ فقد أعاد لنا مصدرا من مصادر القصيدة: شهرزاد التي تقترض الوقت كل ليلة وتحكي حتى يدركها الصباح؛ فيتأجل موتها. قصيدة لا تنتهي وحكايات تتناسل وتتأجل. ثمة ما يشجع إذن على التأويل لكشف ما نسميه آباء النص الدرويشي المتعددين، لا سلباً لشاعريته بل لتأكيد ثقافة نصه ومغذيات تجربته، وإحالاتها الخفية في علاقات تناص مبتكرة أو محوَّرة. في حكايات الطفولة القابعة في الذاكرة ثمة (قصة لا تنتهي). يضع الملك جائزة لمن يأتيه بها. يفوز سفسطائي محترف بقصة عن مخزن حبوب بعهدة النبي يوسف أيام عمله لدى الفرعون. تدخل النمل المخزن واحدةً واحدةً تأخذ حبة وتمضي لتأتي سواها.. وهكذا لا تنتهي القصة. إنه يراهن على زمن فائض كامنٍ في الحبوب، ستنفد الحكاية والجائزة بنفاده، وينتهي مع جُمل قصته العبثية. لكن صبر الملك نفد، فمنحه الجائزة ليوقف نمل الحكاية ويقفل فم الحكّاء. كانت شهرزاد أيضاً تراهن على زمن الحكي، حتى تطفئ شهوة الانتقام لدى شهريار.. فهل أراد درويش بعد عودته من قيامته ترجمة ذلك الزمن الرافض للانتهاء، فاتخذ القصيدة مستمعةً أو مخاطَبةً يحكي لها لقاء الموت؟. القصيدة حياة «والحياة هي اسمك يطفو هلالاً من اللازورد» وكلاهما مؤنث قد يشجع على تصور متغزل بها محددة وليس القصيدة. لكن الشاعر في مباراة مع زمن سيمنحه الجائزة، المؤنثة كذلك: هبة الحياة واستمرار طقوسه اليومية: «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي/ لا أريد لها هدفا واضحا/ لا أريد لها أن تكون خريطة منفىً ولا أبدا/ لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي/ بالختام السعيد ولا بالردى/ أريد لها أن تكون كما تشتهي أن تكون» حرة كحياته وعابرة للأزمان والأقدار والنسيان؛ لأنها الأبدية والخلود بمواجهة الغياب والهاوية.