منحت فرنسا قضية الحرية، فولتير ومريده. الأول عاش ومات (1694 ـ 1778)، وهو يدبج النظريات عن الحقوق الشخصية والمدنية، ويضع قواعد لفن المجادلة والمناظرة. والثاني كان علامة القرن العشرين وتاليه، عن استخلاص حقوق الشعوب والأفراد من أيدي الغالبين والظالمين. ذلك كل ما يجمع بين فيلسوف عصر التنوير، ومواطنه «محامي الشيطان» جاك فيرجيس، الذي رحل الأسبوع الماضي في الشقة التي مات فيها فولتير في باريس. بعد هذا التشابه، يتفرد المحامي الجدلي في حياكة نسيجه الفكري والسياسي والمهني والدعوي والنضالي، على نحو غير مسبوق، ومن الصعب تكراره. كان جاك فيرجيس جامعاً لتناقضات شتى، تظهره وكأنه ينطوي على شخصية مأزومة. فالرجل الشيوعي كان يعيش عيشة بارون: فيللا رائعة، تحف فريدة، سيجار ثمين، مطاعم راقية، وملابس فاخرة. والرجل الذي ندب نفسه للوقوف في محراب العدالة، دفاعا عن المناضلين والثوار، سرعان ما كان يتلبس لبوس موكليه. فهو معهم في مواقعهم السرية، وهو شريكهم في عملياتهم الثورية، وهو مساعدهم حينما يحتاجون إلى قدراته اللوجستية. هكذا كان الأمر مع المناضل الفلسطيني وديع حداد، ومع زعيم «الخمير الحمر» الكمبودي بول بوت، ومع الثوري الأشهر كارلوس. نموذج ربما يجعل أغلب المحللين النفسيين، يقاربونه من تلك الزاوية المبهمة التي تجعل الطبيب يقع في غرام مريضه أو تدفع السجان لكي يتأوّه على عذابات أسيره. والحقيقة إن جاك فيرجيس لم يقصّر في منح مسوّغات لهذا التفسير. فالمدافع الشرس عن الثورة الجزائرية، والمنخرط في صفوف مقاتليها الذين أعطوه اسم «منصور»، وقع في غرام موكلته البطلة جميلة بوحيرد، وتزوجها ولسان حاله يقول: «لو أعدمت جميلة، كنت سأقتحم مكتب الجنرال ماسو أو بيجار وأقتلهما. لم أكن أتصور موتها، فحياتها هي التي جعلتني اليوم متصالحا مع نفسي». هذا التصالح لا يفسر سبب غضبة الزعيم أحمد بن بلا عليه وطرده من الجزائر، فيما راحت طليقته الفدائية تهدد بقتله إن قابلته مجددا. الحكاية نفسها تقريبا تكررت مع زوجة صديقه كارلوس الثورية الألمانية ماجدلينا كوب. عشق ملتهب وهجران غامض. لا يتوقف المفتونون بـ»الوغد المضيء» عند هذا الجانب الشخصي من سيرته. فهو حر في عشقه. لكن الحيرى تأخذ بتلابيبهم في شأن مهني وسياسي معقد، وهو مرافعته عن المجرم النازي كلاوس باربي عام 1987. كيف ليساري، ومحامي الثوريين، أن يسعى لتبرئة سفّاح عنصري؟ هنا يميط فيرجيس اللثام عن انسجام تام في مواقفه وسلوكه، حتى ولو لم يقنع المنتقدين. فهو استعار من أستاذه فولتير ما أسماه «استراتيجية القطيعة»، عندما جعل المرافعة محاكمة حقيقية للدولة الاستعمارية الفرنسية، مخاطبا القضاة: «إن موكلي مجرم نازي، نعم. وهو مذنب، ويستحق القصاص. لكن من أنتم حتى تحاكموه؟ أنسيتم ما اقترفتموه من مجازر وجرائم في المستعمرات». وفق هذه القاعدة كان فيرجيس، كما صرّح، مستعداً للدفاع عن هتلر وجورج بوش إذا أقرّا بذنبيهما. جاك فيرجيس، الذي صدرت عشرات الكتب منه وعنه، وأُنجز فيلم عن كفاحه بعنوان «محامي الرعب» جعله يسرق الأضواء من نجوم مهرجان (كان) عام 2007، وقدم بنفسه عرضاً مسرحياً عام 2008 بعنوان «سفاح المرافعات».. لم يستطع أحد فك ألغازه الكثيرة.. ولعل أشهرها لغز اختفائه 7 سنوات (1970 ـ 1978)، تاركاً أجهزة استخبارات خبيرة ومؤسسات إعلامية عريقة متسربلة بغموضه. والسبب بسيط، فهو كما يقول إن لديه من الذكريات، كما لو أنه عاش ألف سنة.. adelk58@hotmail.com