لو يتذكر الإنسان متى عرف أول مرة قطرات المطر، وما كان شعور جس النّفات الأولى، الجميع سيعود بذاكرة الطفولة وأول الوعي، وسينسى كيف تعرف على هذا الحب وهذا التطهر وتلك الرائحة التي تسكن الأنف إلى الأبد، أول المطر.. أول الطفولة، لذا حينما ينهمر مطر بزخّات متتابعة أو ترسل السحب المثقلة رذاذها المتقطع تظهر الطفولة ببراءتها، وتظهر ذاكرتها الطريّة، ويتجلى مشهد المنزل الأول، حيث كان البصر والبصيرة شاهدين وحيدين على سمو المشهد، وفرح هدايا السماء، وتلك الطمأنينة والسكون اللذين يلفان النفس والأشياء.
يشهد الإنسان المطر في أماكن كثيرة، مدن وقرى لكنه لا يحب أن يتذكر إلا ما يسم ذاكرته بطيف عاشق أو ضحكة تخبئ العافية ومسرة القلب أو ما خالج النفس من حزن أو دمعة كانت تترقرق باردة في أطراف العين، يشهد الإنسان المطر في ليل أو فجر أو نهار، لكنه لا يرتبط بالمطر إلا في ذلك الوقت الذي كان يعني له الكثير.
اليوم أشياء كثيرة تذكرنا بالمطر.. وأشياء كثيرة يجلبها المطر معه، وأشياء إن حضرت كان المطر يسبقها، منذ توحل القدمين في طفولة حافية، الركض خلف “الخريوات” والسيل وما يجرّه معه من أوراق شجر ساقط أو خشاش الأرض، اللعب على كثبان الرمل المرتوية، البيوت والدور والأسوار التي نشيدها بالأحلام الصغيرة، التقاذف بكور الرمل، والحفر تتبعاً لسَرَب الفقيشي، أشياء من طفولة حينما كان المطر يبات يصبّ صبيباً، كيف كانت بيوت الطين لا تقاوم، ولا تلك العرشان من سعف النخل وجذوعه، لكنها تبقى بسواعد الناس وتعاونهم وذلك النداء الذي لا يتخلف عنه أحد، وحينما كانت الوديان تجري وتطبل كان الناس يتقونها بمعاريض وحفر وما يمكن أن يساعد ويجده الناس في متناول اليد، سالكين بتلك المياه المنحدرة من العيني أو الداودي طريقاً بعيداً عن البيوت، قريبة للنخل.
في المدن وحينما يأتي المطر، تحضر الأغنيات، ويحضر التذكر، وتحضر قصص دافئة بين الضلوع، تحضر أماسي في زوايا مطاعم كان زجاجها يشع بالرذاذ وتلك القطرات البلورية، يمكن أن تحضر فيروز وخوفها على “العلّية والقرميد الأحمر” يمكن أن تحضر رحلات جميلة كانت للبر حيث أنس الأهل، وقهوة المزيون، وما ركّب على تلك الأثافي، وما أوقد تحتها من حطب ومرخ سمر يابس، حيث للطعام طعم من البرّية الأولى وترنيمات الرعي وتعب المسير خلف أنعام وخلف خطوات بنت العم والخال، قد تحضر وجوه بعينها تدق بابك والمطر يطرق نافذتك، قد تغتسل ذلك اليوم، وتحل سكينة من نوع آخر في قفص الصدر.
مطر.. لا نعرف سره، وسر ما يفعله بنا؟ ولما حينما يأتي، لا يأتي وحيداً؟



amood8@yahoo.com