رأينا كثيراً. ربما أكثر مما ينبغي لأعمارنا. ولكنه لم يكن خيارنا. وسائل الإعلام المتعددة تقحمنا في كل شيء. أو نحن من نقحم أنفسنا لاهتمامنا، أو فقط فضولنا. نريد دوماً أن نعرف ماذا يجري «هناك». صرنا نعيش معهم أكثر مما نعيش معنا. فتمتلئ الذاكرة. وتهترئ الأعصاب. أتذكر كل ليالي البكاء الطويلة على الأطفال الجوعى في أفريقيا. أتذكر جثث الأطفال المتخشبة على الأسرّة وفي الشوارع وفي أحضان أمهاتهم وذلك الألم الذي اعتصر أمعاءنا حين رأينا فيديو لمذبحة حلبجة العراقية التي أبيدت بالكيميائي. ولم أنس مشهد الرجل العراقي بعقاله العربي الذي كان يدوس عليه جندي أميركي بحذائه بعد «التحرير». ولا أنسى، تلك اللقطة لرجل بوسني نحيف عار ترتعد ضلوعه خوفاً قبل أن تمتد سكين العنصري الصربي لنحره مثل نعجة. ولا تلك الصور لأطفال تم تهشيم رؤوسهم بضربها على الجدران الحجرية على أيدي «مجاهدي الجزائر». لم أنس قبل كل ذلك البنادق الإسرائيلية المصوبة على العجائز الفلسطينيات في مشاهد اجتياح عصابات الهاجاناة الصهيونية في سنوات التهجير. مشاهد كثيرة تركت في الذاكرة ندوباً عميقة. من يمكنه أن يرى كل هذه الفظائع ويكون شخصاً طبيعياً منتجاً بعد ذلك؟!. أدركت لاحقاً، أن العالم قائم أساساً على البشاعة، وأن الإنسان ليس بالضرورة مخلوق إنساني، فأحيان كثيرة يتلبس الشيطان جسد بشري ليتضاءل الشيطان أمام هذا الإنسان المتحول. فتوقفت، عن جرأة النظر إلى القبح. لأني عرفت مقدار طاقتي، عرفت أنها أٌقل من أن أرى لأعرف فأحتمل. وإن كنت لا تحتمل، فلا ترى. مع الربيع العربي الذي دخل مرحلته الخريفية الدامية، لم يكن الابتعاد عن المتابعة أمراً وارداً. فالحدث جلل مثل قيامة. ارتفع الأدرينالين كثيراً وهبط، في البداية أبهرتني مشاهد الجماهير الغفيرة من البشر التي خرجت لتصرخ: «لا» في وجه الظلم انتصاراً لبائع متجول فقير أحرق نفسه من القهر في تونس. وتذكرت كل القصص الجميلة عن البطولة، روبن هود الذي انتصر للفقراء، صلاح الدين حين استعاد القدس، «قطز» حين لبى «واإسلاماه». قلت الحكايات التاريخية الواقعية منها والخيالية يمكن أن تتحقق في زماننا أيضاً، ويا لروعة أن تعيش في حكاية. وقلت: الإنسان أيضاً يمكن أن يكون ملاكاً، وتشي غيفارا المناضل الشجاع النبيل يمكن أن ينبت في نفس كل واحد فينا يوماً ما، وبدا أننا لم نصب تماماً بالتبلد والخمول من كثرة ما رأينا ومن تخمة ما أكلنا. ونبت في قلبي الأمل. حتى نحره مشهد أطفال سوريا المذبوحين بأحط درجة من درجات الدناءة والخسة البشرية. ومع الحلقة الأخيرة السعيدة في 30 يونيو والتي أسقطت المتاجرين باسم الله عن عرش مصر انتعش الأمل، وحفاظاً عليه، قررت أن أتوقف عن متابعة نشرات الأخبار. عرفت أن ما سيأتي بعد ذلك سيكون مثيرا للغثيان. ولكن تجد الكل يتكلم عما يجري، لا تلتقي بأحد إلا ويدلي بدلوه فيما يحصل، تفتح صفحة الفيسبوك والتويتر ومواقع الانترنت والجرائد فترى العالم مشحوناً بما يحدث، وتجد من كانوا أصدقاء أصبحوا أعداء يخوّنون بعضهم بعضاً، ويرشق الأخوة بعضهم بالسباب والشتائم، فبعضهم مع زيد وبعضهم مع عبيد، والموت للحياة. يسيل الدم فيعمي الأبصار والبصيرة، ويكثر هواة الاصطياد في المياه العكرة. فتحاول أن تغلق كل شيء، تطفئ التلفاز وتخرس الراديو وتفصل الانترنت وتحرق الجرائد، وتنبش في ذاكرتك عن رائحة ورد مرت بطريق حياتك وذكرى غيمة وحلم، تأخذها معك مؤونة لسفر طويل في صحراء دامية بحثاً عن شربة ماء عذب، قبل أن يهلكك العطش. Mariam_alsaedi@hotmail.com