صاح جرس الإنذار الذي يشبه قرع المطارق المتسارع، مع تلك الونّة الطويلة، والتحذير بإخلاء المكان، فأيقنت سهيلة أن الأمر يحتاج خفة ما قبل عشرين عاماً، لكنها احتارت ما تأخذ، وكل شيء عندها عزيز، وتريد أن تبكيه في ذاك الحين: «ساعاتي، ذهبي، شنطي، فساتيني»، فصرخت في وجهها: «تريدين يظهرونك جرداء، وإلا ينزلونك بسلم الإطفاء من الدريشه»، فلمع بريق الخوف والذي أعرفه من رقص جفن عينها الشمال، تأهبت للهروب، فقالت: «زين بس بأخذ شنطتي الكروكودايل» فغضبت لأنها نسيت مديحها لتلك الشنطة، وأنها جلد تمساح، ولا تأكلها النيران، هكذا كانت «تتخقق على ربيعاتها حتى خلتهن يشترن شرواتها»، أمسكتها بضبعها، وتليتها للباب، الآن.. وين مخارج الطوارئ؟ ونحن عثرنا نستمع للشرح الذي تصرّ عليه إدارة أي الفندق، نحن نوصل الفندق، ونقصد غرفنا نتفقدها، ننشد مكامن الراحة، لا سلالم النجاة، والصدق لولا تبعنا عائلة أميركية، بدا فيها الزوج حافظاً لمخطط الفندق، وكأنه مسؤول الأمن فيه، لبقينا أنا وسهيلة نتنشق الدخان، نزلنا من الطابق السابع، وهذه من الأمور التي ابتلينا بها، لا نقبل، ونصرّ على السكن في الدور العالي، دونما مبرر مقنع، هبطت سهيلة كراقصة بالية، سمنت فجأة، كنت متعجباً من خفتها التي لا مرد لها، إلا حلاوة الروح، أما أنا فكنت أتعكز على مقبض الدرج، حتى فلتت مني - كرمكم الله- فردة نعال الفندق الرقيقة التي لا أحبها، وعمرها قصير دائماً، فتركتها، ورميت بأختها، وهبطت حافياً متذكراً شردة الصبا، حينما كنا نضع طرف الكندورة في الفم، والنعال في اليد، تقاطر الناس، ولكم أن تتصوروا مشهدية ذلك الحشر الذي استيقظ على غفلة، وبفزع قبل الفجر، الذي شعره واقفاً، والتي بلا «ماسكرا، ومسخره»، والتي ظلت تتعارك مع بيجامتها طوال الليل، والتي أطلت بوجه عار من المكياج، ويشبه وجه أخيها، والذي بائتة فيه وخمة الخمر، والذي كان يتشكى من حموضة العصارة الهضمية، والموجوع الرأس، وهناك رجال سمان احمرّت وجوههم من اللهاث، والتي حامل، وودك ترحمها، لأن الفزع حول وجهها للآلام المخاض المبكر، الجميع بملابس النوم، لقد غابت الأناقة الفندقية والتمظهر، وذلك التمايز الطبقي الذي يحب الناس أن يبدوا فيه، ليوحوا للآخرين أنهم سلالات أسر نبيلة، علت الأصوات، وتلك الأسئلة المبهمة في الليل، وتراكض النزلاء للعراء، متذكرين بعد نجاة النفس، أشياءهم الثمينة، وليتهم خطفوها معهم. فجأة.. جاء الاعتذار للإزعاج من المدير المناوب، وطاقم الفندق، لكن من يقبل حينها أي اعتذار؟ إلا الرجال العقلاء، وأن الحريق الصغير، يمكنه أن يكون كبيراً، والهدف سلامة الجميع، رجعنا وظلت سهيلة تسب وتشكو: «من وين بييني النوم»؟ فضحكت لأني أعرفها، فقلت: «نامي يا أم كلثوم.. يا مسهرني»، نامت بعد دقائق، وأنا بقيت عيوني شاخصة، كأني ذرّيت الملح فيها!