وصلت الى مدينة فيرونا في الثالثة ظهرا، كانت أرض محطة القطارات لا تزال مبتلة من آثار مطر كان يتساقط طيلة وقت الرحلة الى الشمال الإيطالي، فيرونا هي درة هذا الشمال وعاصمته، وهي مدينة لا تزال تسكن التاريخ وتعزف كل يوم لحن أشهر قصة حب عرفها العالم حتى اليوم وخلدها وليم شكسبير في مسرحيته الشهيرة روميو وجولييت.
وضعتها منظمة اليونسكو على قائمة أغنى مواقع التراث العالمي، حيث ينتمي طراز العمارة فيها الى القرون الوسطى ، فحيثما سرت أو التفت لا ترى عيناك إلا معمارا قديما يعود لتلك العصور، الأسوار، الأبراج، والشرفات التي لطالما أطلت منها صبايا لعبن بقلوب الشباب ورسمن قصص غرام تناقلتها طرقات المدينة وصالوناتها ومقاهيها، ساحات فيرونا واسعة جدا، أما البيتزا فهي متعة الراغبين في وجبة سريعة من دكاكين البيتزا المنتشرة في كل مكان.
جئت ال فيرونا وفي خاطري أمر واحد، أن أتمشى في مدينة لا تزال تعيش في القرن السادس عشر، فلطالما أحببت هذه المدن بمعمار بيوتها وقصورها وقصص أمرائها وحكايات أثريائها وأزياء نسائها وشبابها، لقد ألهبت السينما خيالنا لسنوات طويلة من كثرة ما ملأتنا بتلك الصور، لكنني حين مشيت في طرقاتها الضيقة أحسست بأن هذه المدينة قد تغلغلت سريعا الى داخلي وأن أهلها طيبون وودودون جدا بالنسبة لسائحة عربية قلما يلوح قومها في هذه المدينة التي لا تستقطب العرب كما تستقطب الأوروبيين والأميركيون طيلة العام.
أخذتني قدماي الى شارع بسيط من شوارع المدينة يعج بالحوانيت والمارة، ودون أن أتنبه وجدت اكتظاظا أمام بوابة حديدية تتوسط بنايات الشارع الصغير، الكل يقف متأملا، صامتا، يلتقط صورا أو يكتب شيئا على الحائط، بدا حائط المنزل مغطى ولا يكاد يعرف لونه الحقيقي لكثرة الكتابات والرسومات وقصاصات الورق الملونة والصور، حين رفعت رأسي لأقرأ اللافتة التي تعلو البوابة عرفت أن البيت يخص العاشقة الأكثر شهرة في التاريخ: جولييت حبيبة روميو، وتحت شرفتها التي طالما وقفت عليها تتبادل الأحاديث معه غص المكان بالزوار والمحبين.
ليس من جديد في حكاية روميو وجولييت، لكن وقفة متأملة تحيلنا الى استنتاجات كثيرة، فقد تسلع كل شيء في زماننا حتى الحب، لقد تحول بيت جولييت الى مزار للعاشقين حول العالم يدفعون أموالا للدخول وكتابة تذكار وتعليق صورة أو أمنية صغيرة تحت الشرفة الشهيرة، ومن غرائب الأقدار أن يصير البيت في وسط السوق لتكتمل الملهاة.
تساءلت وأنا أتأمل الكتابات عن عدد قوافل وجيوش العشاق الذين عبروا أمام هذه البوابة ووقفوا تحت هذه الشرفة ليكتبوا ويبكوا ويقولوا ويسجلوا ويتمنوا، وتساءلت عن عمر هذه الكتابات، وعن مصير هؤلاء الذين جاءوا وكتبوا وبكوا وتمنوا؟ كم واحدا منهم نال ما تمنى وكم واحدا طوت حكايته أعاصير النسيان؟
في حي آخر وأمام بيت روميو لا شيء يدل على حكاية أو أسطورة وحدها لافتة البلدية تقول هذا بيت روميو ولافتة أخرى كتب عليها كما جاء في مسرحية “شكسبير” أين أنت يا روميو؟ يبدو أن النساء وحدهن يصنعن التاريخ ويخلدنه.


ayya-222@hotmail.com