هنا، حيث أسكن لفترة من الوقت بعيداً عن أجواء الصيف الحار، وسعياً وراء شيء من التغيير لكسر الملل والرتابة، أجدني محاطة حيثما سرت بوجوه أعرفها وبلهجة ليست غريبة عني. أهل الإمارات كأنهم كلهم هنا، وقد جاء كل منهم سعياً وراء حاجة ما، لا بأس، ذلك يشعرك بأمان ما، أنت محاط بأهلك وبصغار يمارسون اللهو و«الشيطنة» على طريقة أبناء العرب التي لا يفضلها الأوروبيون عادة، تقول عجوز إماراتية: «تلك مشكلتهم، الأطفال لا بد أن يعبثوا ويثيروا الضجة، هل هناك أطفال يلعبون بصمت؟»، تأملت قولها جيداً، لن أوافق عليه كله، لكن في قولها شيئاً من المنطق. والحق يقال، فأطفالنا لا يبالون بالبروتوكول وضرورات التزام الهدوء، فهم يتعمدون الصراخ في ممرات الفنادق الفخمة، وفي صالات انتظار المستشفيات والمطارات، كما يفتعلون الضجيج حيثما كانوا، ليسوا جميعهم حتماً، ولكن غالبيتهم بالتأكيد، لأنهم اعتادوا على هذه الطريقة في اللعب، ولأن الخادمة الفلبينية أو الإثيوبية التي ترافقهم، لا تكلف نفسها عناء تنبيههم لضرورة اللعب بهدوء. هي أيضاً لا تفهم كيف يلعب الصغار بهدوء، وربما لأنها كالعادة منشغلة بالثرثرة مع زميلة أخرى جاءت برفقة أطفال آخرين. إذن، ليتحمل الأوروبيون قليلاً جزءاً من تهاون بلدياتنا في إقامة حدائق وممرات وأمكنة ظليلة وآمنة وسط الأحياء السكنية للصغار، من قبيل  التعاون الدولي الإنساني. حيث أقيم، يعتبر ضجيج الأطفال مظهراً محبباً بالنسبة لي بعيداً عن رأي هؤلاء الأجانب، فهم يعيشون طفولتهم على طريقتهم، وليس في ذلك بأس. وفي مكان لا يبعد كثيراً عن قلب المدينة ومراكز التسوق وتجمعات المقاهي، ومحاط بحديقة غرست أول أشجارها منذ أكثر من  200 عام على الطريقة الإنجليزية، يحلو للكبار أن يقضوا أوقاتهم أيضاً على طريقتهم، أو بطريقة قد لا تحلو للكثيرين. مع ذلك، فستجد من يصرخ فيك إذا علقت على سلوكيات إخوتنا العرب قائلاً: «هم أحرار يقضون وقتهم كما يشاءون، لقد جاءوا هنا بحثاً عن الترفيه والراحة، وليس لأحد أن يوجههم». وتأملت كثيراً في هذا القول، وتساءلت: «هل نحن أحرار فعلاً في الأماكن التي نقضي فيها أوقاتنا بالأماكن العامة في بلاد الغرب؟  أجدني أميل للمشي والتسكع في تلك الممرات والأحياء الهادئة والظليلة، شيء من السكينة تبحث عنه النفس دوماً، أما المتع فلا تحصى، بعضنا يجد في التسوق بعربة السوبر ماركت متعة». قال لي شاب إماراتي التقيته منذ يومين: «نحن مدللون في الإمارات، نرفض القيام بأعمال كثيرة، ننظر إليها على أنها وضيعة ولا تناسبنا كرجال وحتى كنساء، نجلب أناساً من الخارج ليقوموا بها نيابة عنا، وها نحن نقوم بها هنا ونحن نبتسم». قلت له: «الحاجة أم الاختراع، فردّ: بل هي البطرة». هل نحن بطرانون فعلاً؟ هو يرى ذلك، بينما أصررت على أن الإنسان- أي إنسان- كائن متعود، يعتاد ويؤقلم حياته وظروفه وفق الوضع الذي يجد نفسه فيه، وعلى أية حال، فنحن شعب لنا خصوصية، قد نجد فيها بعض السلبيات، لكنها ليست بالسوء الذي قد يصوره البعض، كل الأمم لديها مثل ما لدينا وربما أكثر. المشي والهدوء لا يزالان يسيطران على رغبتي في المرور على ما أرى مرور الكرام، فقليلاً من التسامح في تقييمنا للأمور مطلوب أحياناً، نحن في إجازة، قالت لي صديقتي: «استمتعي بها ولا توتري أعصابك». شكراً لها. ayya-222@hotmail.com