«أهل مكة أدرى بشعابها».. هكذا أفض أي خلاف حاد عن موضوع شائك حدث في مكان ما خارج حدود شعابي، وأنا على قناعة تامة بأننا مهما بلغت قدراتنا وإمكاناتنا المعرفية من إدراك كامل لظروف الآخرين، فإن رأينا يظل مقصوراً ضعيفاً. فظروف الآخر لا تقتصر فقط على ما هو محيط به من واقع اقتصادي وسياسي ـ قد نتمكن من تحديدها ـ بل بكل التفاصيل التاريخية والجغرافية والاجتماعية التي يعيشها هذا الآخر، وتغلغلها فيه، والتي لا يمكن الوقوف على تفاصيلها مهما اتسعت المعرفة، فمدى تأثيرها وأبعادها لا يدركها سواه. قد ندري عنها.. لكنه الوحيد الأدرى بها. بناء على ذلك، وبالتالي.. لا يمكننا الحكم بصحة تصرفات الآخرين أو خطأها؛ ورغم بديهية هذا المنطق، نجد أن العادي واليومي هو تجاهل هذه الحقيقة!? هناك فارق كبير بين أن تبدي رأيك في حالة ما، أو أن تتوقع على نفسك لو كنت في وضعهم، وبين أن تطلق أحكاماً على آخرين ـ لست منهم ـ تتهمهم وتسيء لهم لأن تصرفهم لا يتفق مع ما تعتقده؛ فأهل مكة أدرى بشعابها. وعلاقة أهل مكة بشعابها علاقة لا يمكن أن يفهمها أي دخيل عليها، حتى وإن ولد فيها. فهناك ميراث تاريخي وجغرافي واجتماعي من التفاصيل لا يرثه أي وافد على المكان بسهولة؛ وإنما يحتاج الأمر إلى أجيال طويلة لتكوينه. مع كل ما يحمله الواقع المعاصر من تعقيدات، ?اليوم أصبحت كل البقاع «مكة» في خصوصيتها المكانية، التي لا يدركها إلا أهلها، ولا يستطيع استيعاب مجريات الأحداث فيها سواهم؛ في حين أن الغريب لا يرى بعين المكان، بقدر ما يرى بعينه التي ورثت تاريخه وجغرافيته الخاصة المتأصلة في ذاته. وعلى هذا فلا حق لنا، إلا أن نطرح تصوراتنا لما يمكن أن يتصرف به الآخرون، ونأخذ العبرة مما يحدث معهم، ونتأمل في تفاصيل الإرهاصات وتفاصيل التداعيات. علينا أن نحمل لهم أمنيات النجاح، فيما يبقى التاريخ، وليس أي تاريخ، وإنما تاريخهم فقط، هو القادر على الحكم بصحة ما فعلوه.. أو خطأه. ??? كتبت هذه الكلمات في معناها سابقاً، وسأعيد كتابتها مستقبلاً. شؤون الآخرين خط أحمر. وكل البقاع «مكة» بقدسيتها وناسها وطرقها. وليس لنا إلا الدعاء لبقاعنا المصابة والمنكوبة. اللهم احفظ بلادنا.. واحفظ بلادهم. ‏Als.almenhaly@ngalarabiya.com