الغيمة التي رأيتها بالأمس لن ترجع لمكانها غداً أتأمل في الزمن و أنظر إلى جميع الأشياء فيما حولي وأزداد يقيناً أنها لن تعود كما كانت. الحياة مراحل ولكل مرحلة طبيعتها ورونقها الخاصين، اللحظات لا تتشابه ونحن أيضاً لا نشبه أنفسنا في مسيرة حياتنا. اللحظات المنقضية قد انقضت ولن تعود ثانية بنفس تفاصيلها ولن نعود نحن أيضاً كما كنا. هذا الزمن العنيد يغيرنا غصباً ويفرض أوامره قسراً، لهذا غداً دائماً زمن مختلف ولن يكون مثل الأمس وهذه ليست نظرة تشاؤمية لأن لكل زمن جماله لكنها دعوة للاستمتاع بالجمال القادم واقتناصه من ثنايا المستقبل. أن تعيش اللحظة كما هي وكما تريد وأن تتأملها وتعرف جيداً أنها لحظتك التي لن تتكرر ثانية وأن بمقدورك عمل الكثير في هذا الوقت المتاح لك وأن تنجز أكثر مما تتوقع، أنصت ملياً وتحرك سريعاً، الوقت لا ينتظر، دائما الزمن ينظر إليك من الأمام ويدعوك بأن تسبقه، سباق طويل لا فرصة لديك حتى لتنظر خلفك. في هذه الحياة يا صاحبي جدلية الوقت ومعادلة الزمن هي التي تحكمنا! الوقت غالٍ وأنت تتعامل مع أغلى ما تملك، عليك بالحذر قليلاً حتى لا تفقد الغالي وتفقد أغلى ما تملك. هل تعود الأشياء كما كانت؟ ما يحزن في الذكريات أن اللحظات الجميلة معهم لن تعود وإن عادت لن تكون كما كانت، نسخة مكررة من الماضي. البعد والفراق ليسا فقط مسافات تفصلنا عنهم أو عناوين مختلفة على صناديق بريدنا وأظرف حياتنا، بل هما ذلك الزمن الصعب الذي ينحت أشكالنا ثانية، كل ثانية، يشكلنا كما يريد، يغيرنا، يوجه دفة حياتنا، ربما لطريق مختلف وفكر آخر وتبقى الذاكرة هي الحضن الحقيقي والذكريات هي الحنين، وإن عادوا ثانية سنستمتع معهم بجمال اللحظات الجديدة وتبقى الذكريات حدثاً لن يتكرر ثانية ولا تتوقع أن اليوم صورة من الماضي، أؤمن أن صورنا صالحة للقطة واحدة فقط، وكل لقطة بزمن. يقول أورهان باموق في رائعته «اسطنبول الذكريات والمدينة» لو اقتنصت لحظات خاصة من الحياة، ووضعتها فى برواز هل تتحدى الموت أم الضعف والتلاشي أم الزمن أم أنك تخضع لها؟ عندما تتأمل في شريط حياتك وترى السنين تمر سريعاً ستندم كثيرا على الأوقات الضائعة، اللحظات التي لم تفعل فيها شيئاً وتركتها تتهاوى بغفلة. أكثر ما يوجعنا في حياتنا هي لحظاتنا غير المستردة. قصة قصيرة عندما رجع كانت كل الأشياء المبعثرة لا زالت مبعثرة، الغبار على الكتب، بقايا القهوة الغارقة في قعر فنجانه، نظارته المكسورة ومذياعه الصامت، كانت هناك مختبئة أيضاً ذكرياتنا الجميلة، كل الأشياء كانت في مكانها، بشوق كانت تنتظره، فتح الباب، بلهفة حضنته، وجدهم كلهم ولم يجدني أنا. jamal.alshehhi@gmail.com