حادثة طعن الطالب في إحدى مدارس رأس الخيمة ودخوله المستشفى متأثراً بالجراح التي أصيب بها، تعيد إلى الذاكرة معنى العنف الذي يجرح والذي يحفر في الجسد أخاديد ووديان ويسيل الدماء.. العنف الذي لا تجدي معه تحذيرات ولا توبيخات ولا إيقافات ولا حتى الفصل من الدراسة أو السجن.. هذا العنف القادم من أحراش منزلية، المتسلق جبال العلاقات الإنسانية، المتسلل من غابات تربوية رديئة وموحشة، يحتاج إلى وقفة وإلى نظريات تربوية جديدة مغايرة للقديمة والعقيمة، والتي لا ينتج عنها غير الخوف.. أو التهور، تياران شديدا الوطأة والمراس يقودان إما إلى الانكسار أو إلى الانفجار، ولابد من دراسة ولابد من وعي مدرسي بقيمة الأخصائي النفسي الذي يرافق الحالات الشاذة ويتابع أحوالها وتكون علاقته مباشرة مع الحالة المدرسية والأهل، لابد من تحرير الأخصائي النفسي من الأعمال الروتينية، كالوقوف أمام الطابور الصباحي وترتيب الصفوف والزعيق هنا والصراخ هناك وبعد أن يدخل الطلاب فصولهم ينتهي الأمر لدى الأخصائي النفسي.. المدرسة حقل وحفل وفصل من فصول المعرفة، المدرسة تجمع إنساني قبل كل شيء، ولابد أن تطرأ الاختلالات في العلاقات بين البشر في حياتهم، ولكن بعض الاختلال زلزلة يحتاج إلى غربلة وإعادة ترتيب المشاعر لدى الأشخاص وردع الانحرافات حتى لا تتفاقم وتصبح ظاهرة يصعب مواجهتها، فإن يستخدم طالب علم آلة حادة ويهوى بها على جسد زميل له، لمجرد خلاف، فهذا يعني أن الطالب المعتدي لديه مشكلة أخلاقية تحتاج إلى تدخل فوري، ويحتاج إلى وقف النزيف الداخلي حتى لا يصير بحراً يغرق صاحبه ومن حوله ومن تربطه به علاقة.. الأخصائي النفسي وجوده في المدرسة، فعل حضاري راقٍ والعلاج النفسي لا يصيب صاحبه، كما أنه أمر ضروري لا يختلف عن العلاج الجسدي.. وبعد أن تعددت المثيرات وتنوعت المحفزات والمكدرات، أصبح الإنسان بحاجة إلى من يسانده، ولا أنجح ولا أهم من وجود الأخصائي في المدرسة وسط شريحة هي في أمس الحاجة إلى دور الأخصائي المساند والمعضد لأفراد يمرون في مراحل هي من أصعب وأعضد المراحل العمرية التي يمر بها الإنسان، مرحلة الشباب والمراهقة، مرحلة الطاقة الهائلة والقدرات المتدفقة والنشاط النفسي والبدني الذي يحتاج إلى تحديد القنوات السليمة التي تحدد مسارها، قبل أن تفيض وتغيظ وتهلك وتفتك، وبعد فوات الأوان لا يفيد البحث عن الأمان، حتى لو اجتمع الإنس والجان.. إذاً تحديد دور الأخصائي وإعفائه من الأدوار الهامشية والاستفادة من قدراته العلمية يفتح الطريق أمام جيل متخفف كثيراً من الأعباء النفسية، ومجتمع لا يعاني رعب الآلات الحادة والجارحة.


marafea@emi.ae