يسمع الشاعر ما لا يسمعه سواه. . يدق طبول الحب في ساعة الحرب، ويعزف بفم العصفور تغريدة أن يتصالح المتخاصمان من أجل نسلهما. وحين تمر الطائراتُ بهديرها الرعدي فوق مراعي الورد، ينثر الشاعر أغنية النسيم كي ترقص البراعم في نشوة وجودها، ويصير قلمه ناياً في نشيد الرعيان ولحناً في طرب الغزال. كل كلمة على غصن شاعر، هي طائر الفجر القريب. كل تمتمة على شفتيه ميلاد معنى حيّ. وهذه الوشوشات في همس الناس ليلاً، يقولها الشاعر صبحاً في العلن. من ابتدع الآه وسوّاها رمزاً للألم الحنون سوى الشاعر، ومن مجّد الطرقَ على باب السؤال سواه. يرى الشاعر ما لا يراه غيره. . يخلط الماء في طين الخرافة ويصنع تمثال السراب. وعلى جهة البحر يرمي مناديل الدمع لتصير أشرعة المغادرين إلى النجاة. في صباح الحب يقطف من كرز الشفاه مليون قبلة، ثم يوزع أوراق النرجس على الموهومين بمستحيل الوعد. وفي الليل، يراه عسسُ الفضيلة وهو يكنس الأحلام مبدلاً اليأس في قلوب الخائفين بشمعة ضوء جديد. ماسحاً من سبورة الصبر كلمة (الانتظار)، وواضعاً مكانها جملة (القفز هو أول الطيران حراً في الحياة). وحين يقول الناس هذا جدار النهاية، يرسم الشاعر باباً ونافذة ويهرّب الأمنيات إلى غاياتها مانحاً المترددين زاد الرحيل. الشمسُ والقمرُ أبوان في قصيدة النجم، والريحُ والنار شقيقتان في اكتمال الضد وبينهما الرملُ بحرٌ أصفرٌ والمدى خيلٌ ونجوى العاشقين صهيلُ طويل. يلمسُ الشاعر باب الخيال فيحيله فتحاً وذاكرة وحقيقة في قواميس المآل. ويدوس على عتبات الداخلين إلى المتاهة فتصير خطواته سعياً في الخلاص. وإن مد يده إلى غصن يابسٍ، تولد الأقلام ويصير حبرها دماً يروي عروق النهر ويغذي استمرار الحياة. وحين يصافح الشاعر ورقة بيضاء، يهطل مطر المسافة وتزهر على جنباتها جبال الأمل. وإن رأيت الشاعر يوماً يقبّل المرايا، فذلك لأن حبيبته مرّت من هنا وتلاشت في أعين المبصرين، لكنها خالدة في لحظة الشعر. والبياض الذي يمسح الشاعر جبينه قبل أن يكتب، لا يعود محوا كما ولدوه، وإنما بداية خلق نقيّ. أيها الشاعر دس حافيا على صدر الأموات، وبث في نبضهم دفء ميلاد جديد. يشمّ الشاعر سيرة الغيمة، ويعرف كيف يعصرها لتمطر بالمعاني البيضاء. فإذا مر على الخراب تلفّت بحثاً عن طلوع الورد من تحت الرماد، وإذا ركب البحر غرف من رذاذه عطر الموانئ البعيدة وأدرك ما يعني الوصولُ وما يعني الغياب. ثم إذا سجنوه في الصمت وكمموا يده، سيكتب بعرق الصبر وصفاً للحرية باعتبارها طائراً بجناح كسير يحوم في قفص مفتوح. وحين يكبر الدخانُ الأسود في تنفس الحاقدين، وتُزكم الأنوف رياح المستنقع، يترك الشاعر لشذى كلماته أن يغسل ما يعكر هذا الفضاء. وباقة بعد باقة يعيد تركيب معاني الحب ويجمعها في بنيان مرصوص. يتذوق الشاعر الحياة مبتهجاً بأن أسرارها في يده ما أروع الشعر نهراً لاغتسال الروح ودرباً للصعود من الهاوية