تكبر كرة الثلج حتى يخالها المنحدرون جبلاً، لكن الجالسين على القمة يرونها مجرّد رذاذ، ويراقبون مصيرها وهي تتفتت حين تلامس الأرض الدافئة وتصير هشيماً في هباء. تكبر شعلة النار حتى يظنها الخائفون قيامة الدنيا، لكن الجالسين تحت غيمة الأمل يرونها مجرّد فراغ يأكل في الفراغ، ويراقبونها وهي تذبل حين يهلّ مطر الحقيقة كلمة بعد كلمة ويصل حراً إلى مسامع كل البشر. يتناحر المغرورُ مع مرآته في سرّه والعلن، يرفع أنفه متعاليا على ذاته إلى أن يحتقرها. ثم حين يخرج أمام الناس يراهم مجرّد مرايا يعكسون وجهه، ولذلك يظل يتعالى ماشيا بين الحشود التي ترى الدخان يصعد لكنه خواء، وترى الطبل يزعق وبطنه فراغ. في البحر أو في البر، يتباهى الطير بنأيه عن الجاذبية والقيد، فارداً جناحيه على المدى يحلّق محسوداً من عيون المحبوسين في الفكرة. لكنه حين يهجع إلى عشه في الشجر، ينام في احتمال انقضاض الأفعى، وتكون أحلامه فزعٌ يتطاير. في يدها خاتم العرس، وفي يدها الأخرى منديل دموع. تجلس حورية البحر كل ليلة بانتظار قبطان المسافات يأتي محمولا في حضن موجة. تطالع قمر الأمنيات وهو يذبل كل مساء إلى أن يختفي في محاق، ثم تعود حزينة إلى بيتها في ذاكرة الماء. والقبطان المهاجر دائما، لا يبحث في البحر عن حوريات في ثياب الوهم، ولا يصدّق الأساطير التي رواها قراصنة الخوف وطرزوا بها أحلامهم. إنه يفتّش دائما عن الأرض البعيدة التي لم تطأها قدم بشر، عن التراب الذي يبرق ذهبا في لمعة الشمس ويصير أغلى من كل الكنوز. يصير وطنا جديداً. يسحب الممثل حبلا من السماء ويربط به ظل حصان، ثم يجلسان معا في حوار يطول. يقول الممثل كلاما عن رحلته من القرية إلى المدينة ويشكو تعب الطريق ومخاطر المنحدرات ولاجدوى الصبر. الجمهور لا يعرف أنه أصبح الحصان الذي يستمع إلى هذا الحوار الأحادي، وأن ما يوجد على الخشبة هو ظله، وأن الحبل المسحوب هو رمز لمشنقته. يخط الخطّاط النقطة أولاً، ثم يركلها على الورقة مراقباً كيف تستطيل وهي تميل للأعلى ثم نزولاً إلى أن تلامس النقطة الأخيرة فيولد الحرف. وفي الرحلة ما بين النقطتين يخوض الخطاط في بحر الانسياب، ويعبر أنهارا يشقّ مجراها بيده. تطوف جنيّة الشعر على رؤوس من يحملون الأقلام ليل - نهار ويتعكزون بها. وإن أعجبها أحدهم فإنها تغويه، تقوده إلى العراء وحيدا وتُعمل جنونها فيه. والشعراء يعرفون لاحقا أين تنام هذه الجنيّة، وبعضهم يظل يتسلل إلى رحابة بيتها كل ليلة. لكنها حين تغادر، فإن القلّة فقط من يذهبون وراءها إلى وادي الجنون. سيرة الهجرات كلها نحوكِ وسيرتي أنني كل الدروب لو تنتهي الأرض أبدأ لو يجف البحر أمشي مطفئا كل الحروب akhozam@yahoo.com