في الحياة العصرية، شيء من الانتحار الأخلاقي، وشيء من تواري الأشواق الإنسانية، وشيء من تكسر القيم، وشيء من تعثر الخطوات، وشيء من تفجر النزوات، وشيء من اتساع الفجوات، وشيء من تورم الجفوات، وشيء من هذا كله، جعل الحياة الإنسانية والعلاقات الاجتماعية، والروابط الأسرية تسير في طرقات مدلهمة، وعرة، شائكة، مرشوشة بإبر الآلام اليومية.. فالزوج يريد من الزوجة أن تكون جارية في آن، وملكة جمال في آن آخر، تخدمه وتمسد أصابعه وتعد له الطعام وتشيع في منزله الوئام، وتمنحه الانسجام. والزوجة تريد من الزوج أن يصير سائقاً، متسابقاً نحو الفوز بالرضا، يضع بين يديها كنوز الدنيا، ويقول لها “شبيك لبيك خادمك بين يديك”.. وأعراف أخرى تلاشت، وقيم تهشّمت، وأخلاق تلوثت، ومشاعر تيبَّست، وعيون تحرَّقت في المطالب والتمني، ولاذت تبحث عن الوهم في منازل النجوم.. إذاً لابد أن تتسع الهوة، وأن ترتفع نسب الطلاق في الدول الخليجية، وكما ذكر تقرير مؤسسة “بوز آند كومباني” أن نسب الطلاق تكاد تتساوى مع نسب الزواج في الفئات العمرية من 20 إلى 29.. وبلغت نسب الطلاق حدها في الفئات العمرية من 30 إلى 39 سنة. ويقول التقرير إن نسبة الطلاق في الإمارات بلغت في عام 2008 - “25.62%”. وفي قطر 34.76% في عام 2009، وفي الكويت 37.13% في عام 2007، وفي السعودية بلغت النسبة 20% عام 2008، وفي البحرين 24% عام 2007.. إذاً فالنسبة المئوية خلال الأعوام 2007، 2008، 2009 في دول الخليج تضرب أجراساً ونواقيس، لتذكر من يريد أن تنفعه الذكرى، بخطر داهم وجاهم ومعتم. ولابد من الانتباه، والضغط على المكابح قليلاً لكي لا يفلت الزمام، ولكي لا تضيع الأحلام الوردية في جهامة الليل البهيم.. لابد من الأخذ بالأسباب التي أدت إلى هذه النسب المرعبة، والتخفف قليلاً من أعباء الصدمة الحضارية، والتأمل في اللوحة التشكيلية التي شابها شيء من غبار الركض، وتعكَّرت الصورة، وتكدَّرت النفس البشرية، بعد أن صار الزواج والطلاق عند بعض شباب الخليج، أشبه بالأكلات السريعة، لا تحتاج إلى وقت لكي تنضج الفكرة، سواء في الزواج أو الطلاق، بل الأمر متعلق بمكالمة واحدة يمكن أن تنهي الموضوع، سواء بالسلب أو الإيجاب. لذلك لابد من تدخل حكومي، ولابد من مساعدة الشباب على وضع الحلول لمشاكلهم النفسية والاجتماعية، ولابد من برامج التثقيف والتوعية، وبكثافة وإصرار وحزم.. طلاق الشاب في سن مبكرة يعني ولوجه منحدرات لا يعلم مصيرها إلا الله.. وطلاق الفتاة وهي في ريعان العمر، يعني الملمات وما يتبعها من أزمات محطمة للذات. علي أبو الريش | marafea@emi.ae