حين يكره الإنسان - أي إنسان بعيداً عن أي انتماء ديني أو عرقي - نفسه، فإنه يقتلها (ينتحر أو يسلك سلوكاً يقوده إلى خاتمة حقيرة) وهو حين يكره الحياة يدمرها، وحين يكره وطنه يحرقه ويستعدي عليه الخارج ويجعله فرجة للعالم ويحوله إلى ما يشبه الغصة في حلوق أبنائه، هكذا قرأت المشهد المصري نهار الأمس وصور العنف والإرهاب والتخريب تتوالى عبر محطات البث التلفزيوني في أعقاب فض اعتصامات “الإخوان”، معتقدين أن ما يقومون به هو دفاع مبرر ومشروع عن النفس، وحين يصل الإنسان إلى هذا المأزق في علاقته بوطنه، تصبح كل القناعات منسوفة تماماً في داخله ويصير من الصعب التعامل معه كمواطن طبيعي، لأنه فقد كل امتيازات المواطنة باعتدائه على وطنه وكل امتيازات إنسانيته وعقلانيته، فالإنسان العاقل لا يفعل ما فعله هؤلاء الناس الذين تخلوا عن إنسانيتهم، في مقابل مشروع تخريبي كبير هم ليسوا سوى إحدى أدوات التنفيذ فيه! كراهية الحياة منعطف أخير ونهائي، فليس بعده طريق، هو في الحقيقة نهاية المسيرة ومن يصل إليها فقد عبر الكثير من الأنفاق والكثير من الإحباطات والفشل، فلا يولد الإنسان كارهاً الحياة وإنما يصبح كذلك، وعليه، فلابد للجميع: الدولة والباحثين والسياسيين أن يتساءلوا عن السبب، مالذي قاد هؤلاء إلى كراهية الحياة وكراهية أنفسهم وكراهية أوطانهم؟ الدين لا يقود لهذه النتيجة حتماً، وديننا الإسلامي تحديداً دين حياة فالرهبانية ممنوعة، والانتحار محرم ومجرم والاعتصام عن الدنيا غير مطلوب، ديننا يكره التشاؤم والتطير والحقد والحسد والقتل وتخويف الآمنين والتعرض لغير المسلمين، والتمثيل بالميت والإساءة إلى الأسير والمعتقل والمخالف، فما بال هؤلاء إذن يدَّعون الإسلام وبينهم وبينه أمدٌ بعيدٌ؟! إن المتأمل لمشهد الذين توالوا خروجاً من ميدان رابعة العدوية من النساء والرجال والأطفال والشيوخ، بعد أن وعدتهم السلطات بتوفير خروج آمن لهم جميعاً ما لم يستخدموا القوة أو تتلوث أياديهم بالدم، يلمح حقيقة لا تخطئها العين، فهؤلاء من الواضح على هيئتهم ولباسهم وطريقة حركتهم وأعمارهم أنهم ممن يطلق عليهم (لا ناقة لهم ولا جمل)، هؤلاء وقود المعارك الخاسرة، ولكن من الذي أوقد بهم المحرقة؟ تجار الدين وأدوات مخطط التخريب حتماً، ومن أيضاً؟. إن كان هؤلاء البؤساء الذين خرجوا في طوابير خاسرة مهلهلة قد دفعوا بأنفسهم للمحرقة فتلك مسؤولية الدولة، وإن كانت الجماعة التي تسمي نفسها “الإخوان المسلمين” فتلك جريمة أخرى تضاف لسجل هذه الجماعة الخبيثة، إن استغلال حاجة الفقراء والجهلة والمرضى والمعوزين والمستلبين إزاء الفكرة الدينية من أبشع أشكال الاستغلال والتجارة الآدمية، أما وإن السبب هو الفقر والعوز فلا مجال لتبرئة ساحة النظام الذي خلق أحزمة بؤس لا متناهية، شكلت ذخيرة حية ارتدت في النهاية إلى صدر مصر وصدور أوطان عربية أخرى ارتكبت الحماقة نفسها في ليبيا وسوريا وغيرهما! نقف ضد إفساد الدول وخرابها ودمارها على طول الخط، ونعي أن ذلك مخطط تنفذه أياد خفية، وأن الرهان على الوعي والبصيرة مهم، لكن الحياة لا يمكن أن تعاش بالأماني، والوطن لكي لا نخربه ولكي نحبه يجب أن يحبنا ويعطينا، لو أن هؤلاء وجدوا من يحول بينهم وبين البؤس والجهل والعوز والتغييب والإقصاء لما ألقوا بأنفسهم في أحضان الشيطان! ayya-222@hotmail.com