بعض الأسئلة مشروعة جدا، بعض الأسئلة مثيرة للجدل، وبعض الأسئلة لا نطرحها ولا نحاول أن نتناقش حولها، خاصة في عالمنا العربي، نحن اعتدنا كثيرا على حكاية أن الأشياء عادة ما تسير في هذا الاتجاه وبهذه الطريقة وقد مضت على ذلك قرون فلماذا نطرح الأسئلة إذن ونغير اتجاه الدفة؟ حين نطرح بعض الأسئلة المفاجئة أو المقلقة يجابهنا البعض بالاستياء بينما يلتزم الآخرون الصمت كنوع من ردة الفعل التي تشي بعدم الرضا، السؤال مفتاح المعرفة، وفي المجتمعات المتقدمة كان السؤال ولا يزال مفتاح التغيير.
من هذه الأسئلة ما طرحه الكاتب الأميركي ستيفن هاريسون في كتابه “الطفل السعيد”، هو لا يتحدث عن الاستراتيجيات والمباهج التي يجب أن يوفرها الوالدان لطفلهما كي يصبح سعيدا على الدوام، انه يطرح سؤالا انقلابيا بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن ماذا يريد أن يقلب يا ترى؟ هاريسون يريد أن يقلب طاولة التعليم في وجوه أصحاب التربية والتعليم وحتى في وجه المجتمع نفسه، لأنه يسأل ببساطة: لماذا نعلم أطفالنا يا ترى؟ هل نعلمهم ليتحولوا الى موظفين يخدمون المجتمع في نهاية الأمر؟ اذا كان هذا هو الجواب فإن ستيفن هاريسون يقدم إجابة أخرى للتعليم تختلف جذريا عما هو سائد!
التربية والتعليم واجب اجتماعي وهدف نبيل جدا، اتفقت المجتمعات كلها على تبنيه وتشجيعه ودعمه بكافة الوسائل، لكن لماذا؟ لإعداد هؤلاء الصغار ليخوضوا لاحقاً غمار العمل في عالم الكبار ليؤدوا دورهم في المجتمع، انها معادلة رد الجميل للوطن أو خدمة المجتمع والمشاركة في تحمل المسؤولية، لكن ماذا عن الأطفال أنفسهم؟ ما هي استفادتهم ووجهة نظرهم؟ اين تكون أرواحهم في هذه العملية كلها؟ هل تتجاهل أنظمة التعليم روح الطفل ومواهبه وتوجهاته وسماته الشخصية في سبيل قولبته ليكون جزءا من النسيج العام أو نسخة كربونية كبقية طوابير الطلاب والمتعلمين ؟ يبدو أن الأمر فيه الشيء الكثير من هذا التفسير !
نعم نحن نعلم أبناءنا لهدف اقتصادي يتمثل في تخريج موظفين وعمال للمجتمع – هذا التفسير يقدمه الكاتب للمجتمع الاميركي ولكافة المجتمعات – لأنه يعتقد بأن هذه المجتمعات تتجاهل هدف الطفل أن يكون سعيدا، والمتمثل في تحقيق الإبداع الأمثل عند الطفل، فالطفل المبدع السعيد الذي ينمو بشكل صحي في أسرة متفهمة لاحتياجاته وفي ظل نظام تعليمي تربوي يسعى لتربيته ليكون معافى وسعيدا، هذا الطفل هو الطفل السعيد وهو مركز التربية والتعليم كما ينظر إليه الكاتب.
لكن هذا الطفل السعيد والمبدع والحاصل على احتياجاته النفسية والصحية لاشك سيكون مواطنا صالحا وموظفا جيدا بالتأكيد، وهذا ما يرمي إليه الكاتب في النهاية، بعيدا عن القولبة الضيقة للتعليم باعتباره وسيلة لصناعة موظفين متشابهين يفتقدون روح الإبداع والحرية والعافية.

ayya-222@hotmail.com