لديّ صديقة عربية منذ خمسة وعشرين عاماً، وكلما اكفهر الطقس السياسي العربي - وهو مكفر على طول - أو لاح احتمال عمل عسكري ما في الأفق ضد إحدى العواصم، أو سمعت بحركة «تفنيشات» في إحدى المؤسسات جاءت لتخبرني أنها قررت الهجرة إلى الشمال، حيث الغرب المتقدم والمؤمن بحقوق الناس وحقوق الأطفال وحقوق الأقليات، وحقوق بؤساء العالم العربي - فهي جزء منهم - ومع ذلك لم تهاجر حتى اليوم، ما زالت تعمل هنا، ولا تكف عن السفر إلى بلادها بمجرد أن يهب ذكر بلادها أو يأتيها هاتف من والدها يقول لها «اشتقنا لك يا بنت»! تعود بنتاً صغيرة تطير في صبيحة اليوم التالي إلى أحضان والدها الختيار!
لعدة أيام مضت كنّا نحرث الوضع السياسي العربي نقاشاً وتحليلاً، فقالت: «لا فائدة، لا بد أن أسافر» سألتها كم أصبح عمرك الآن؟ أجابتني 45 عاماً، قلت لها «لا هجرة بعد هذا العمر، الأشجار المعمرة لا يمكن اقتلاعها من الأرض بسهولة، هذا النوع من الأشجار ليس في وسعه أن يمد جذوراً جديدة في تربة غريبة، فانسي حكاية الهجرة «أحسست بأنني كمن أطلق رصاصة قاسية على بقايا ما تسميه (أملاً)، وأصر أنا على أنه محاولة هروب غير متقنة!
قلت لها مرة «كلنا هاربون من شيء ما، من واقعنا أولاً، من أحلامنا المؤجلة، من تضاربات الحياة حولنا، من التاريخ والجغرافيا، من أوهامنا، من حقائق من حولنا، من الرتابة، من السأم، من مشاريع كبرى لا تتوقف عن النقر داخل رؤوسنا بينما لا نتوقف نحن عن وضع أصابعنا في آذاننا كي لا نسمعها، وفي الليل نكتشف أن ما نسمعه لا يتوقف بسد الأذن، ولكن بسد الذرائع!
قلت لها مرة «أعلم أنك تريدين الهجرة لكنك لا تتمنينها ، تلجئين إليها لجبر كسور الواقع لكنك لا تحلمين بها، ولا بتلك البقاع والحريات التي طالما ذكرتنا بها، لو أنك تريدين الهجرة لفعلت ذلك منذ سنوات، عندما اشتعلت بلادك وصار القتل فيها هواية للصبية وتجارة المقاومين، هناك قرارات وأفعال لا يجوز استباقها، كما أن هناك قرارات غير قابلة للتأجيل كالفجر لا بد أن ينبلج وكالطائر لا بد أن يحلق وكالفكرة لا بد أن تولد.
بلاد الهجرة لا تشبه الوطن، ربما تكون أجمل، أكثر ترتيباً، أنظف، أكثر اخضراراً، تمنحك الوظيفة التي تستحقها، والمال الذي يكفيك ويزيد، والبيت الذي تحلم به، لكنها في نهاية المطاف لا تصير وطنك، تظل إقامتك فيها شبيهة بالاستراحة بين الشوطين، وستظل دائماً عرضة لذلك السؤال عن بلدك الحقيقي كلما لاحت لهم بشرتك السمراء وشعرك الأسود الذي لا يشبههم.
حرام!!! هم ليسوا عنصريين أبداً، لكنهم عمليون وموضوعيون، يحبون أن يعرفوا حقيقة الشيء وأصله، وحقيقة المعلومة ونسبتها، والمعلومة تقول إنك كلمة في شجرة اللغة العربية وبيت شعر في معلقات عربية قديمة، وإن اسمك عربي، وإنك في نهاية الترحال ستعود إلى نقطة البدء، إلى تلك البلاد الفقيرة المتخلفة التي تركتها لتدفن فيها.
أنا ضد الهجرة إلى بلاد الغرب، هذا ما أردت قوله لمن قال لي يوماً سأهاجر!


ayya-222@hotmail.com