أيام الرخص في دول أوروبا الشرقية، يوم ما كانت علبة السيجارة الأميركية تعمل العجب، ويوم ما كانت العلكة تسهل كل أمر، وزجاجة العطر تفرح قلب نتاشا وتنوشكا، وإيجار الفيلا الفخمة بمائة وخمسين دولاراً في اليوم، من تلك الفيلل المحاطة بالأشجار والحدائق الغناء والتي لا نملك مثلها في بلادنا، يوماً ما اشتريت سطل عسل نحل نقياً من جبال يوغوسلافيا بـ 30 دولاراً تقريباً، في تلك الأيام الجميلة الخوالي والتي لن ترجع لنا نحن السياح الدائمين، والتي ربما لا يتمنى رجوعها أهاليها، لأنها تذكرهم بالكد دون فائدة والعمل المضني دون تملك وبحقبة من الحكم الشمولي والتبعية الحزبية والعسكرية للاتحاد السوفييتي.
في نصف الثمانين الأول ذهبت من فيينا إلى بودابست، وكانت رحلة جميلة بدءاً من المناظر الخلابة التي تلتصق بنافذة الحافلة طوال الطريق الذي يتبع نهر الدانوب الأزرق، والذي خلده الموسيقار “يوهان شترواس” في واحدة من روائعه الموسيقية، ورغم أن هنجاريا كانت في تلك الأيام ضمن منظومة المعسكر الشرقي، إلا أنها كانت أقرب ما تكون إلى أوروبا الغربية، مع فارق كبير في العملة ومستوى أقل في الخدمة•
وصلنا بودابست أنا وصديقي وصرفنا 300 دولار، وهو الحد المسموح لنا بصرفه عند الحدود، وبقينا ثلاثة أيام نحاول أن نصرف ذلك المبلغ البسيط، حتى أنه اضطررنا مرة أن نفطر على سمك، ونتناول الغداء أسماكا ومأكولات بحرية لا أستسيغها، فقط لكي نصرف، واشترينا أشياء تذكارية، وقمنا برحلات داخلية، والـ 300 دولار لا تريد أن تخلص، وحينما ذهبنا للتسوق في المجمعات التجارية الحكومية، ووجدنا بدلة الرجل لا تزيد عن 20 دولاراً، فعرفنا السبب، وأيقنا أننا رابحان في هذه الرحلة شبه المجانية.
فقط ما كان يحزنني في مثل تلك المدينة، أنه إذا ما خيَّم الليل، تدثرت المدينة في الحفتها ونامت مبكراً، لتبقى طيور الليل وحيدة، ضجرة، وبالمقارنة مع مدينة تشبهها في المبيت مبكراً والاستيقاظ مبكراً في أقصى الشمال في الدول الإسكندنافية، هي أوسلو، والتي لا تشبهها في رخص الأشياء، بحيث لا تبقي لك أوسلو دولاراً لتصرفه من شدة الغلاء الذي فيها، وتجبرك أن تلتزم بطابعها، وتتقيد بوقتها، وترضف على ظهرك الأسمال الثقال، وإن قدرت أن لا تخرج يديك وأذنيك من شدة البرد والصقيع فافعل.
بودابست اليوم.. وبعد تلك السنوات الطوال تغيرت كثيراً، وأصبحت من أغلى المدن الأوروبية، في حين بقيت أوسلو في طابعها القديم، وفي غلائها القديم، لم تتبدل كثيراً، وهذا هو شأن البلدان المستقرة سياسياً واجتماعياً والتي فرغت من كل شيء، وتفرغت لحالها، بحيث لا يعني التغيير والتبديل لها إلا نحو الأمام والأفضل لسكانها، ولو جاء بعد مدة طويلة من الزمن.


amood8@yahoo.com