صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

مدينة

إبراهيم مبارك

تعبر المدينة والشوارع الباردة، يطاردك البرد مثل طريدة هاربة، لن يرحمك دثارك ومعطفك من البرد القارس الذي يتسلل إلى العظام، ولن تنفعك ذاكرة المدن الدافئة والحنونة، أمامك الطريق والأزقة والمتدثرون بالمعاطف الغليظة، لن يجيب أحد على سؤالك أو إشارتك، هنا الكل مشغول بيومه ونفسه وقوته. امضِ مثل سراج في طريقك ولا تبحث عن إشارة أو جواب من هذه الصومعات والكنائس المبثوثة في كل تلة وجبل وزنقة، أنت غير معني بالأجوبة، إن كثرت الصوامع أو قلت، فالإجابات دائماً واحدة.
مدينة جميلة وجديدة عليك في كل شيء، البشر وحدهم من يصنع الحياة والجديد والحبور، الناس هم الأجمل في الوجود عندما يعرف الجميع طريقه ومساراته الإنسانية الرائعة، تذكر أن مدينة أو مسكناً من دون ناس تنشر الجمال والحب لا تساوي شيئاً أبداً، الحجارة وحدها والمتاحف وحدها، بل حتى كل شيء مادي وحده يفقد من قيمة الحياة وحبها الكثير، نعم جنة بلا ناس لا تنباس ولا تنداس.
مدينة تبليسي تبتسم وتفرح بك كقادم جديد، تقول لك، إنني باردة ومرتعشة، ولكن لن أترك الابتسام والفرح، أنا المدينة التي ودعت التاريخ القديم بحروبه وعثراته الماضية. هذه أول مرة أدخل المدينة وأقطع شوارعها عرضاً وطولاً. المدينة تحيط بها القلاع، وتحرس معتقدها القديم، وربما الجديد، عشرات الكنائس والأديرة التي تتزاحم فيها بأعداد هائلة وكأنها منبع العبادة القديمة. هذه المدينة تحرسها أيضاً ماما جورجيا؛ تمثال كبير جداً يقف على أعلى رابية، يجسد امرأة جورجية قديمة بملابسها التقليدية، تحمل في يدها اليمنى سيفاً كبيراً، وفي اليد الأخرى قدحاً من النبيذ. التمثال القديم المصنوع من صفائح الألمنيوم البيضاء، يرمز إلى أنها الحارس الأمين والأم الرحوم، حيث يمثل السيف الحماية والأمان للمدينة، بينما يمثل قدح الشراب أنها تسقي الناس والأصدقاء عربون وعهد الأمن والسلام. التمثال القديم يعكس أشعة الشمس على المدينة وينيرها، واللون الأبيض المشع يجعله واضحاً جداً لكل زائر، هكذا تبدو بعض المدن جميلة بخصوصياتها وتميزها حسب أولئك الذين يحلمون بأن تكون مدنهم وديارهم لها خصوصية وذاكرة عند ناسها وزوارها ومحبيها.
تعبر المدن مثل سحابة أمطرت ثم رحلت، لا يتبقى منها غير بعض الذكريات أو بعض المعالم التي تميز المدن عن بعضها، تعاود الذكريات وقد لا تعود المدينة، بل يظل طيفها وما تركته من ملامح قد تكون جميلة ورائعة أو مجرد حدث مربك.
كل إشراقة شمس أتأمل وأحلم بالجميل، وفي ظل زحمة الترحال لن تجد أجمل من مسقط رأسك ومدينتك وبلدك العزيز.

الكاتب

أرشيف الكاتب

تمثال دلما «2»

قبل 4 أيام

صومعة الفنان

قبل أسبوع

حكاية لون

قبل أسبوعين

أيام المسرح

قبل 3 أسابيع

رحيل وذاكرة

قبل شهر

طواف

قبل شهر

هبوب الشمال

قبل شهر

تمثال دلما

قبل شهرين

زنجبيل وزعتر

قبل شهرين
كتاب وآراء