لو تخيلنا أن هناك مصاص دماء يستوطن بيننا، ويعيش في بيئتنا، أعتقد أنه سيتعب كثيراً، وسيعاني الأمرّين، ويمكن أن يطير في ليل ما فيه ضوء قمر، ويترك هذا المكان، ويتقاعد في تابوت، ويرضى بنصيبه الأزرق البارد، لأنه سيكابد حتى يجد له قلعة على صخرة بعيدة، مغطاة بالأشجار، ومشبعة بالبرودة، ورطوبة المدافن، ولا تصل لها إلا العربات التي تجرها الأحصنة المقنعة، والثلج على حواف الطرقات، عندنا ما في مجال الأرض كلها جرداء، وبنيان في كل مكان، وعمارات ما انتهت من سنين، والفيلل إيجارها غالٍ، بيتعب حتى يجد الملابس السوداء الطويلة “شغل الليل وزهابه” والخياطون ما يقدرون يرفعون رؤوسهم من كثرة الشغل، ولا يروم الواحد منهم يبرّق في وجه زبون جديد، الأعياد تتراكت والمناسبات ما تخلص.
وبعدين.. المقابر عندنا متطرفة وفي خلاء، ولا ينبت فيها العود الأخضر، لا توابيت من خشب السنديان والزان، ولا ينزل المطر على مناطقها العشبية الواسعة، وأشجارها وورودها، هي حفرة صغيرة، وطابوقتان على الجمجمة، ولا شواهد تدل على القبور تعرّف بالساكنين، سيبقى المسكين طول الليل ينبش في هذه القبور المتشابهة، تنبحه كلاب المقبرة حتى تظهر عليه شقوق الضوء، وبيحترق وجهه.
وبعدين.. معاناته الحقيقية، أنه أينما قبّل شرقاً أو جنوباً لن يجد رقبة فيها العافية، التي يرعبتها بارزة، والذي يعاني أساساً من فقر دم، وإذا حصّل على مبتغاه، بيتعب مع المواطن حتى يشيل عنه الغترة، ويفكك معاجم ومغارم كندورته العربية، والحرمة لين يرفع شيلتها، وخاصة اللآتي يعملن الهرم المكسيكي على رؤوسهن، ويثبتن أشياءهن بدبابيس ومثبتات، يعني بصراحة نشبة لين يوصل لعرق ينبض، ويمكن الحرمة منهن ما تصدق، وأول ما تشوف مصاص الدماء، تصرخ ثم تضحك، وتقول :”ويه.. الكاميرا الخفية” وتقوم وتزقر ربيعاتها حتى يتفرجن، وهي غير داريه أنها وصويحباتها سيكنّ من صيدات أمس.
أما الرجّال فأكرم عليه تعق له غترته من فوق رأسه، وإذا حاول مصاص الدماء فعلها، فسيسمع جواباً على فعلته، أن دون ذلك سيل دماء، وأنها ستصل للركب، وهذا الذي يريده مصاص الدماء أساساً، وأن شاف الرجال أن المسألة حقت من عينها، وأن مصاص الدماء بدأت تشتعل عنده شهوة الدم، فتسمع الرجال يقول: “عن تفكّرنا في السينما، روح ألعب بعيد، إذا فيك هبّه، وتقول ريّال، تعال بنداغش أول باط بباط، وبنشوف نو يغلب”.
يعني يمكن يذوي مصاص الدماء، وما بيلقى مشتهاه ومبتغاه، هذا غير الذين بيحلفون عليه بالطلاق، وبيتشيمونه ما يكون خاطر على أحد غيرهم، والذي بيتخبره عن عياله، والذي بيتنشده عن كفيله، وما بيخلص الفقير المسكين، وآخرها يمكن يتحول لغراب، ويظل ينعب حظه الذي ما رماه في رومانيا!


amood8@yahoo.com