صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

تحدثت أمس عن المسلسلات التاريخية والأخطاء الفادحة التي يتغافل عنها المخرجون، وعن الأمور غير الواقعية التي نشاهدها وكأن المتفرج لا يدرك ما الذي يشاهده على الشاشة الصغيرة·· واليوم سوف أتناول عملا فنيا آخر هو المسلسل الخليجي ''الفرية'' الذي يحكي قصة الحياة في قرية كويتية، تقع أحداثها في الفترة التي سبقت ظهور النفط في منطقة الخليج· فالمعروف أن الحياة في هذه المناطق في حقبة ما قبل النفط، كانت قاسية جدا، وكان الإنسان الخليجي يعاني من الفقر والعوز ومن شظف العيش·· بل كانت مناطق كثيرة تتعرض لكوارث إنسانية وتعاني من مجاعات في الفترات التي كانت تتأخر فيها السفن والمحامل البحرية عن إيصال التمر والمواد الغذائية من البصرة والهند وشرق أفريقيا إلى منطقة الخليج·· كانت الحياة من الصعوبة لدرجة أن القرى والمناطق المتناثرة كانت تعاني من نقص في الإمداد والمواد الغذائية وحتى مياه الشرب، وكان الفرد بالكاد يملك قوت يومه ليسد به رمق الجوع واحتياجات الأبناء· ولكن في مسلسل ''الفرية'' نجد أن القرية التي تدور فيها الأحداث هي قرية نموذجية جدا·· الديكور في غاية الروعة والإتقان، الألوان متناسقة وكأن الذي قام ببناء القرية حيث تدور الأحداث هو واحد من أكثر مهندسي الديكور براعة، البيوت متناسقة، الجدران تلمع من النظافة، السكيك خالية من أية مخلفات أو أوساخ أو حتى قطع الحصي والأحجار، أدوات الإنارة ''الفنر'' جديدة وفي غاية الجمال، الإضاءة جذابة وملفتة للأنظار ومتداخلة بطريقة جمالية في غاية الروعة·· لا يوجد أي أثر لغبار أو تراب متناثر من حوافر الحمير والبغال التي كان الأهالي ينقلون بواسطتها كل حاجاتهم، ولا يوجد ما يدل على أن أهالي القرية كانوا أبناء الصحراء ويعيشون حياة البداوة·· وبالإضافة إلى كل ذلك فإن ملابس الممثلين في غاية الجمال والتناسق، الثياب مكوية وخارجة ''طازة'' من أرقى محال الكوي على البخار، التنانير والجلابيات مصممة طبقا لأحدث التصاميم التي نشاهدها في أرقى محلات الأزياء اليوم، العباءات والشيل كلها جديدة وراقية ومطرزة ومزركشة ومصممة في المصانع السويسرية واليابانية والإيطالية·· وحتى الأحذية والنعال هي من الأنواع التي تستوردها أرقى الماركات الإيطالية اليوم·· أما عن مكياج الممثلات وطريقة تسريحات الشعر في مسلسل ''الفرية'' فحدث بلا حرج·· فوجوه النساء تلمع من ''أساس المكياج''، مع أن وجه المرأة قبل 50 أو 60 عاما طبقا لأحداث المسلسل، كانت ''جلحة'' و''ملحة'' وتسد النفس و''تطفش الرياييل'' بسبب الفقر والعوز والحاجة والحرارة والرطوبة·· باختصار توحي القرية التي تدور فيها أحداث مسلسل ''الفرية'' أن الأهالي الذين عاشوا كل مصاعب الحياة في فترة ما قبل النفط، كانوا بارعين جدا وعباقرة جدا في بناء قرية نموذجية تصلح لتكون ركنا في فندق خمسة نجوم في إحدى المدن السياحية الكبرى في العالم!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء