صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

تعج الفضائيات العربية هذه الأيام بالعديد من المسلسلات·· ولكن ما يلفت النظر هو طريقة تصوير المسلسلات التي تحكي قصصا تاريخية أو تروي جزءا من الماضي· فالمتتبع لهذه المسلسلات يكتشف أن بعض المخرجين يعتقدون أن السواد الأعظم من المشاهدين ينقصهم الذكاء، بل يفترضون فيهم السذاجة إلى درجة أن أحدهم لا يفقه ما إذا كانت هذه الأحداث التي يراها أمامه على الشاشة هي حقا من واقع كتب التاريخ أم أنها من وحي خيال المؤلف! في مسلسل ''خالد بن الوليد'' مثلا، هناك جملة من التخاريف والتلفيقات التي لا تنطلي إلا على السذج·· ففي الحلقات الأولى، وعندما كان صناديد قريش يقومون بتعذيب المسلمين الأوائل أمثال بلال بن رباح وعمار بن ياسر وغيرهما، أصر المخرج على تسليط الكاميرا على رؤوس مقطوعة ومعلقة فوق أعمدة خشبية·· ولسنا بحاجة لكثير من الدراية لكي نقول إنه لا يوجد مرجع تاريخي واحد ذكر أن قريشا قطعت رؤوس المسلمين الأوائل في مكة!·· ولا نعرف ما الذي كان يرمي إليه المخرج من وراء تصوير تلك الرؤوس المقطوعة· وخلال بقية الحلقات كان قادة قريش يتنقلون في أزقة مكة بالهودج، محمولين فوق أكتاف الخدم والعبيد، على طريقة تنقل قادة وسادة الفرس·· وهذه الطريقة في التنقل كانت أيضا منتشرة بين شعوب شرق آسيا·· ولا نظن أن كتب التاريخ ذكرت أن رجال ونساء العرب في شبه الجزيرة العربية كانوا يتنقلون بهذه الطريقة إلا حين كانت القافلة تنقل المرأة فوق الهودج في السفر لمسافات طويلة، أو حين كانت العروس تنقل إلى منزل عريسها بالطريقة ذاتها·· أما أن يتحول الهودج إلى مايشبه ''الشبح'' أو ''الخنزيرة'' لسادة مكة من الرجال والنساء، فإن هذا بحاجة إلى مراجع تاريخية لإثباته· أما عن شخصية هند بنت عتبة فإن الملاحظة التي يتحدث عنها المتبحرون بأمور التاريخ، هي أنها لم تكن سافرة بهذه الطريقة التي قدمها المخرج، كما أن نساء العرب لم يتبرجن بتلك الصورة الفجّة التي صورها المخرج·· صحيح أنهم كانوا يعبدون الأصنام، ولكن الأمور المتعلقة بالشرف والالتزام بالتقاليد البدوية العريقة كان لها الأولوية بل كانت من صميم رسم الشخصية العربية الأصيلة·· فالسيدة هند بنت عتبة هي من خيرة نساء العرب، وهي التي وقفت ذات مرة لتجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام عندما نزلت آية ''الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة··'' حين قالت قولتها المشهورة: ''وهل تزني الحرة يا رسول الله؟!''·· وأعتقد أنها لو كانت كما صورها المخرج بهذه الصورة السافرة، لربما دفنها والدها عتبة أو زوجها أبوسفيان وهي حيّة! المسلسلات التاريخية بحاجة لمن يراجعها بشيء من الدقة·· وغدا نكمل··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء