نرجس.. ألفها الناس أكثر من إخوانها، وأصبحت قطعة من جدار المسجد، وبسمة تفاؤل للمصلين كبار السن، وكأنها حفيدة جاءت متأخرة بعد ولادة عسيرة حتى بعد أن شبت قليلاً، ووضعت قطعة قماش لامعة على رأسها لم تقدر أن تجعلها تستقر طويلاً على شعرها الكستنائي الناعم كملمس ظهر فرس.
كانت أحياناً تمشي حافية، وتضع نعليها في يديها أو جيبها، تظل تسمّر نظرها في الناس دون أي حديث، تذهب إلى دكان الهندي وتشتري حلوى، وبالكاد تنطق كلمة، فهي تشير إلى ما تريد، وتعطيه قطعة نقدية معدنية تعرقت كثيراً في يدها، وإن كانت لا تفي يظهر على الهندي حنيناً غائباً لابنته البعيدة ربما، ويسامحها أو ينقصها مما تأخذ إن ظهرت ربويته التي تغذيها الغربة المرّة، لكن وجهها الذي يشبه هدية عيد الميلاد بشارة وبراءة يكفها عن الحديث، ويجعل الهندي لا يرد لها طلباً، وربما سجل على حساب أبيها الذي يتراكم حتى نهاية كل شهر، مع مناقشات معتادة بالأردو على ما سجل في تلك الورقة الكرتونية لعلب الدخان بخط مليباري أنيق كان يعترض عليه المطوع على الدوام.
أم نرجس.. ليس لها رائحة في البيت، فهي ما أن تنتهي من إعداد طعام الفطور، حتى تعد الغداء، ثم العشاء المبكر بعد صلاة المطوع الأخيرة والذي لا يوترها إلا بعد منتصف الليل وحده، أصبحت لها رائحة قريبة من دخان الطبخات التي لا تجتهد كثيراً في إعدادها، وحس لا يتعدى إلا النهر على أولادها.
أبو نرجس المطوع.. كان يتناوب على تعليم أولاده بما تيسر له من حفظ القرآن والأحاديث النبوية، خاصة الأربعين النووية، وكتاب رياض الصالحين وبعض دروس العربية التي يتقنها ببراعة جذور تمتد إلى جد ينسلّ من شجرة الرسول من جانب حفيده الحسن، ويبدو أنه اكتفى بهذا التعليم له ولأبنائه، فمصير البنات الزواج مبكراً كعادة البشتون، ومصير الأولاد العمل أو الجهاد في جبال تريد الشرف والدين والزعامة.
لم يكن الأب ولا الأم يفهمان نرجس، وكان عليها أن تتوحد مع نفسها ومع همها وحظها الذي همست لها به خطفة ملك في ليلة كان القمر قريباً من عيني نرجس وحدها، وكانت أذناها معلقتين بتراتيل خفية تصدر من أركان من المسجد غير قصيّة، كانت نرجس تحتاج إلى تربية خاصة في بيت غير ملحق بمسجد بني على نفقة أرملة بكت زوجها طويلاً. إخوان نرجس.. كانوا يحبونها، ولا يعرفون كيف يكون هذا الحب، كانوا يتمنون أن تكبر مثلهم، وأن تصرخ مثلهم، وتلعب مثلهم، وأن لا تتفزز في مناماتها، وأن تبكي مثلهم، كانوا في ساعات حبهم وضجرهم يشتكون لأمهم، لماذا عينا نرجس الجميلتان لا تعرفان الدموع؟


amood8@yahoo.com