صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

تحدثت أمس عن كلمة ''الهلاعة''، وقلت انها صفة ذميمة للمفجوع الذي لا تملأ أية كمية طعام عينيه·· وضربت مثلا بما يحدث أمام الجمعيات وفي مواقف السيارات·· واليوم سوف ندخل الجمعية التعاونية أو أي محل ''سوبر ماركت'' للمواد الغذائية الرئيسية لنشاهد ما الذي يحدث في الداخل بسبب ''الهلاعة'' التي سيطرت على النفوس· ففي داخل الجمعية نرى منظرا أكثر حزنا وألماً عما في خارجها·· بعض العائلات تجر أكثر من ثلاث عربات أمامها، وكل عربة مليئة بكل الأنواع من المعلبات والمواد الغذائية التي يمكن أن تخطر على البال·· عائلات أخرى تضع عربة في يد كل فرد من الأفراد ليجمع فيها ما يقع تحت بصره·· وهناك أفراد يبالغون أكثر، حيث يدخل الواحد منهم إلى الجمعية ساحبا وراءه عربتين، مع العلم أن السيطرة على عربة واحدة تحتاج إلى طاقة أبطال العالم في الملاكمة بالوزن الثقيل، وعضلات بطل العالم في رفع الأثقال· عربة الجمعية ممتلئة على الآخر·· العلب والصناديق والأكياس ترتفع لأكثر من متر ونصف بحيث تغطي كليا الجزء العلوي من الشخص الذي يدفعها أمامه·· ترى عربة تكاد تئن من وطأة الحمل الثقيل، ومليئة بارتفاع مترين، تتحرك وحدها لأنك لا تشاهد الشخص الذي يدفعها، بعد أن اختفى خلف أطنان الأغذية المتراكمة فوق بعضها في العربة·· الممرات مغلقة، والناس تتدافع لمسح أرفف الجمعية أو ''السوبر ماركت'' عن بكرة أبيها·· كل ما يخطر على بالك يمكن أن تشاهده في عربة الجمعية، بدءا من العشرات من أكياس الخبز والبقصمات وانتهاء بالعشرات من كراتين المياه، مع أن كيس الخبز لا يعيش في البيت لأكثر من يوم أو يومين بينما يكفي كرتون الماء الواحد العائلة لمدة أربعة أو خمسة أيام على الأقل·· ولكنها ''الهلاعة''· عربة الجمعية في شهر رمضان غير عربة الجمعية خارج رمضان·· ففي العربة الأولى تجد تشكيلات من المعلبات والشاي السيلاني والقهوة الأميركية والكورن فليكس والمكرونة وورق العنب و''القيمر'' والبسكويت والطحين والسكر والرز والزيوت النباتية والخضروات المثلجة والحليب المجفف والحليب السائل وأكياس ''الشيبس'' و''الشيتوس'' و''النمكي'' والفاصوليا والفول المدمس والحمص، بالإضافة إلى أطنان من الخضروات والفواكه والأجبان والزيتون والبسطرما واللحوم والأسماك وكراتين الدجاج وجبن كرافت وشتى أنواع العصائر·· وحتى علب الايس كريم لم تسلم من ''هلاعة'' القوم· الناس تشتري في رمضان بعشوائية غريبة وبهلاعة ليس لها مثيل في أي مكان خارج العالم العربي والإسلامي·· وفي بعض الزوايا ومن بين أرفف الجمعية، أشاهد بعض العائلات الأجنبية غير المسلمة التي تنظر إلينا بشفقة وابتسامة تخفي خلفها شيئا من الاستهزاء ولسان حالهم يقول: ترى، هل هذا هو شهر الصبر والجلد والتعود على الجوع الذي يتحدث عنها المسلمون؟!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء