صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

''الهلاعة'' - بكسر الهاء- صفة ذميمة، وهي تعني الشخص الذي لا يشبع، أو يظهر أنه لا يشبع أبدا، بل يجري خلف الأكل بشتى الطرق والوسائل وكأنه خارج من مجاعة·· و''الهلع'' هي كلمة يستخدمها الخليجيون بصورة عامة وأهل الإمارات بصورة خاصة، وهي كلمة تعبر عن الشخص الملهوف على الأكل، أو الشخص الذي لا تملأ عينيه أي كمية من الطعام·· الأخوة المصريون يطلقون عليه ''المفجوع''، وهو أيضا الشخص الملهوف، المقبل على جمع الطعام أو وضعه أمامه على المائدة، على الرغم من أنه لن يأكل 1% من ربع الكمية التي أمامه· ومن الواضح أن ''الهلاعة'' صفة الغالبية العظمى من الناس في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وهي تظهر في السلوك العام بشكل أكبر وأوضح خلال شهر رمضان· فإذا أردنا أن نجمع مجموعة ممن يحملون صفة ''الهلاعة''، فإننا لن نتعب كثيرا، لأننا سنجد أن أربعة أخماس الناس هم بهذه الصفة، ومن السهل جمعهم من أمام مدخل أي سوق· يكفي على سبيل المثال -لا الحصر- أن تدخل فرعا من فروع الجمعية التعاونية أو أحد محال ''السوبر ماركت'' التي تبيع المواد الغذائية الاستهلاكية، لتجد أن ''الهلاعة'' مسيطرة على نفوس البشر وكأنهم يخشون من كارثة قادمة أو مجاعة في الطريق إليهم ستأكل الأخضر واليابس·· في بداية رمضان حاولت إيقاف سيارتي في موقف جمعية البطين التعاونية لشراء علبتي لبن فقط، فاكتشفت أن الدخول إلى أحد مواقف السيارات في مدينة مثل نيويورك أو طوكيو، أسهل بكثير من البحث عن موقف لسيارتي أمام الجمعية·· ولا أبالغ في القول إذا ذكرت لكم أن التوقف بالسيارة أمام البيت الأبيض في واشنطن أو أمام قصر باكنجهام في لندن، أسهل بكثير من العثور على موقف أمام إحدى الجمعيات التعاونية عندنا· محاولة إيقاف السيارة أمام الجمعيات التعاونية أو محال ''السوبر ماركت'' عندنا في شهر رمضان، تحمل الكثير من المجازفة·· أرتال من السيارات تتكدس بجانب بعضها البعض في مشهد ميلودرامي محزن وكأنك في يوم الحشر·· أصوات أبواق السيارات تصم الآذان وتحّول المكان إلى ديسكو مغلق·· إغلاق شبه تام لمنافذ الدخول والخروج·· خناقات وشتائم وصراخ للاستيلاء على موقف هنا أو هناك·· سيارات تركها أصحابها خلف صف من سيارات أخرى مغلقة كل منافذ الخروج عليها، ونزل أصحابها للتسوق داخل الجمعية غير عابئين بما ارتكبوه من فعل قبيح·· جمع رهيب من البشر قدموا إلى الجمعية وكأن شهر رمضان هذا يأتي إليهم لأول مرة في التاريخ، أو كأنهم كانوا في سبات عميق ثم فاقوا على إعلان بقدوم شهر جديد عليهم يسمى شهر رمضان، وأن عليهم الصيام في الغد· وغداً نكمل··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء