مستغيثاً: لقد اضطرتني قسوة الحياة للجفاء فهل تعذرين؟ فجاء صوتها عبر الهاتف: ولقد اضطرني الجفاء للصمت فهل تحتمل؟
فيما مضى كنت أجد بعض الوقت لأقلب فيه صفحات بعض المجلات أطالع فيها ما يتعلق بمشكلات القراء، وفي هذه الصفحات قرأت كثيراً عن شبان وشابات يكتبون عن أنين قلوبهم المعذبة يطلبون نصحاً أو حلاً أو مخرجاً، كانوا يسألون بيأس وعذاب: كيف ننسى؟ هل يتوجب علينا أن نكره لكي ننسى الغدر أو الإساءة أو الجفاء أو العذاب؟ وكان الذين يتصدون لحل المشاكل ينهالون على أصحاب الرسائل بسيل من مواعظ ونصائح غالباً ما يكون من الصعب الأخذ بها!
وفي زمن بعيد أيضاً، كنت لا أفارق عادة قراءة مجلة (العربي) الكويتية من الغلاف إلى الغلاف، لم تكن هناك مجلة في رصانتها وقيمتها الأدبية والفكرية، ولم تكن أماكن بيع الكتب والمجلات تحوي أقساماً تعج بمئات المجلات كما هو اليوم، كانت المجلات تعد على أصابع اليد، وكانت (العربي) درة المجلات العربية ، وأتذكر أنني قرأت فيها الكثير الذي لا يزال عالقاً في الذاكرة، ومن هذا الكثير أتذكر تلك العبارة: (إن الحال المضادة للحب ليست الكراهية أو البغض، نقيض الحب هو ألا يكون لديك إحساس تجاه من كنت تحب، عكس الحب هو أن تتجمد مشاعرك تجاه إنسان كان يملأ قلبك وسمعك وذاكرتك••)
فهل يمكن للقلب أن يصبح كالحجارة أحياناً أو أشد قسوة ، حينما يكون الغدر أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال يتحجر القلب أحياناً كي يحتمل القسوة ويستمر في الحياة ؟
اليوم وبعد أن قرأنا الكثير حول الحب والفراق والنسيان وغدر الأحباب وقسوة الزمان، وحول السقوط في التعاسات التي يخلفها الرحيل ومتاهات الغياب، اليوم بعد أن امتلأنا بالمشاهد والتجارب والصور، صرنا على يقين بأن ما جاء في مجلة (العربي) هو الأقرب للواقع، فنقيض الحب إذاً ليس أن تكره ، الكراهية نقيض الإنسانية ، أما نقيض الحب فهو ألا تشعر بمن كنت تحب، إذا استطعت•• دون أن تلتفت كثيراً للوراء، أو تطرح تلك الأسئلة القاتلة حول السبب والألم والتضحية والصدمة•• إن ذلك أفضل كثيراً من الوقوع في دوامة الأسئلة، أو مراكمة الأوجاع والتسلي بالتذكارات البائسة واجترار ما كان وما مضى بلا فائدة•
الحياة ليست بذلك الدفء الذي نتصور، لكنها أجمل من أن نقضيها مع الألم، فبرغم حضوره الدائم في التفاصيل كلها، إلا أن علينا أن نقفز للضفة الأخرى في كل مرة يحاول هذا الألم أن يكون ضيفاً ملازماً في حياتنا.
فالحياة تحتاج إلى قوة هائلة للمضي في مواجهة تحدياتها، نحتاج لكي نمشي في طرقاتها الصعبة إلى الحكمة لا إلى اليأس ، فالحكمة ضالة المؤمن، وحينما يجدها فجدير به أن يقف في مواجهتها كما يقف في مواجهة البحر والسماء وأن يقرأ سفر الحياة بإنسانية•


ayya-222@hotmail.com