صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

باور: داعية «التداخل الإنساني»... بعيداً عن رايس!

اشتمل قرار الرئيس الأميركي، يوم الأربعاء الماضي، على إسناد منصبين مهمين لامرأتين في إدارته توصفان بـ«العدوتين اللدودتين»، حيث عين سوزان رايس كمستشارة له لشؤون الأمن القومي، خلفاً لتوم دونيلون الذي استقال من هذا المنصب وسيغادره في الأول من يوليو القادم. بينما عيّن مساعدته السابقة سمانثا باور سفيرةً للولايات المتحدة في الأمم المتحدة خلفاً لرايس.

وكانت باور على صلة قوية بأوباما منذ وقت مبكر حين كان سيناتوراً، كما عملت في حملته لانتخابات الرئاسة، ثم أصبحت مستشارة له في البيت الأبيض. وهي خبيرة في الشؤون الدولية وقضايا حقوق الإنسان، وقبل أن تعمل في الإدارة الأميركية فازت بجائزة «بوليتزر» تقديراً لكتاب ألّفته حول السياسة الخارجية الأميركية.

إلا أن السفيرة الأميركية الجديدة لدى الأمم المتحدة لم تكتسب جنسية الولايات المتحدة إلا في مطلع التسعينيات، فهي مولودة عام 1970 في بلدها الأصلي أيرلندا، حيث عاشت حتى سن التاسعة، قبل أن يهاجر أبواها إلى بنسلفانيا عام 1979. وخلال المرحلة الثانوية درست في أتلانتا، وبعد ذلك التحقت بجامعة ييل في كونيتيكت وتخرجت منها عام 1989.

وبدأت باور حياتها المهنية كصحفية، حيث عملت مراسلة حربية في يوغوسلافيا بين عامي 1993 و1996، لصالح عدة مؤسسات إعلامية أميركية، مثل «أخبار الولايات المتحدة»، و«التقرير العالمي»، و«بوسطن جلوب»، والإيكونومست»، و«نيو ربوبليك». وبعد انتهاء حرب البلقان عادت باور إلى الولايات المتحدة، والتحقت بكلية القانون في جامعة هارفارد، وتخرجت منها عام 1999. وفي العام التالي نشرت كتابها الأول، وهو «إعمال حقوق الإنسان: الانتقال من الإلهام إلى التأثير»، ثم ألّفت عدة كتب أخرى، أحدها عن «سيرجيو فييرا دي ميلو والكفاح من أجل إنقاذ العالم»، وقد أصدرته في عام 2008 وأصبح أساساً لفيلم وثائقي من إخراج غريغ باركر. وأتبعته بكتاب آخر عنوانه «أميركا القلقة: ريتشارد هولبروك في العالم».

وفي الفترة بين عامي 1998 و2002 شغلت باور منصب المدير التنفيذي المؤسس لمركز «كار» لسياسات حقوق الإنسان في كلية كينيدي للدراسات الحكومية بجامعة هارفارد، حيث ألقت محاضرات حول ممارسة القيادة العالمية والسياسة العامة. ثم وُضع اسمها من قبل في مجلة «التايم» ضمن قائمة المائة الأكثر نفوذاً في العالم خلال عام 2004. وفي خريف عام 2007 أنتجت بالتعاون مع المخرج تشارلز فيرجسون فيلماً وثائقياً عن الحرب في العراق، عنوانه «لا نهاية في الأفق»، وفيه سلّطت الضوء على الأخطاء العديدة لإدارة بوش الابن.

وعملت باور خلال عامي 2005 و2006 في مكتب السيناتور باراك أوباما، وكان لها التأثير الكبير حينئذ في توجيه اهتمامه نحو صراع إقليم دارفور. وخلال حملته لانتخابات الرئاسة عام 2008 شغلت منصب كبير مستشاريه للشؤون الدولية، وكانت تلك بداية الاحتكاك السلبي بينها وبين سوزان رايس التي كانت هي الأخرى كبيرة مستشاري المرشح أوباما لشؤون السياسة الخارجية. لكن باور تنحت من منصبها في الحملة بعد تصريح أشارت فيه إلى هيلاري كلينتون بوصفها «وحشاً»، حيث قدمت اعتذاراً عن ذلك التصريح ثم استقالت بعد بوقت قصير.

بيد أن باور التي كانت من أوائل المؤيدين لترشح أوباما، واصلت جهدها لإنجاحه، وهي التي سبق أن كتبت مذكرة في أغسطس 2007 حول «واشنطن التقليدية مقابل التغيير الذي نحتاج إليه»، كانت الإشارة الأولى على نهج أوباما في السياسة الخارجية، حيث أكدت على «الحاجة إلى حقبة جديدة تتأسس على المبادئ والالتزامات الدبلوماسية الأميركية، للتعامل مع تحديات القرن الحادي والعشرين». ثم قامت خلال ربيع العام التالي بجولة خارجية لتوقيع كتابها «مطاردة لهب»، فركزت خلال كل المقابلات الإعلامية التي أجريت معها على رؤى السياسة الخارجية لأوباما.

وبعد الانتخابات الرئاسية عادت باور لتصبح عضواً في فريق أوباما الانتقالي، وفي يناير 2009 عينها كمساعد له في مجلس الأمن القومي، معنية بقضايا حقوق الإنسان متعددة الأطراف. وخلال فترة وجودها في البيت الأبيض، ركزت على قضايا مثل إصلاح الأمم المتحدة، وتعزيز حقوق المرأة وحقوق المثليين، وترسيخ الحرية الدينية وحماية الأقليات، ودعم اللاجئين، ومكافحة الاتجار بالبشر، وحماية حقوق الإنسان والديمقراطية... خاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والسودان وبورما. وكانت من المسؤولين الرئيسيين داخل الإدارة ممن أقنعوا أوباما بضرورة التدخل عسكرياً في ليبيا.

ويعرف عن باور اهتمامها بجرائم الإبادة الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان، وقد ساهمت خلال عام 2006 في إنجاز فيلم عن الإبادات الجماعية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، مع تركيز خاص على «مذابح الأرمن» وحرب دارفور. وهي تشدد على الواجب الأخلاقي للولايات المتحدة حيال الانتهاكات التي تحدث في أماكن مختلفة من العالم، وعلى «حق التدخل الإنساني الدولي»، وتتحدث في هذا المضمار عن خيارات أخرى غير عسكرية: «إذا كنت ترى السياسة الخارجية بوصفها حزمة من الأدوات، فثمة مجموعة كاملة من الخيارات: تعبئة الحلفاء، وفرض العقوبات الاقتصادية، وطرد السفراء، ومنع وسائل إعلام الكراهية... هناك على الدوام ما يمكنك القيام به».

لكن بعض الخبراء انتقدوا دعوتها لـ«التدخل الإنساني»؛ كونها مغرضة وتؤدي في النهاية إلى مزيد من العسكرة للرد على «مشكلات من الجحيم» بـ«استجابات من الجحيم» أيضاً. كما انتقد آخرون فكرتها حول ضرورة نشر القوات المسلحة الأميركية لمكافحة انتهاكات حقوق الإنسان في أنحاء العالم، باعتبارها فكرة مخالفة للغرض الرئيسي من إنشاء الجيوش الوطنية لحماية الحدود.

وربما بسبب دعواتها في مجال السياسة الخارجية، والشبيهة بمواقف «المحافظين الجدد»، نجد أن العديد من قادة الحزب الجمهوري سارعوا في الإعراب عن تأييدهم لتعيينها سفيرة لدى الأمم المتحدة، وقال السناتور جون ماكين: «أعتقد أنها مؤهلة تأهيلا جيداً لهذا المنصب المهم، ونأمل أن يصدّق مجلس الشيوخ على ترشيحها في أقرب وقت ممكن».

ومع ذلك فباور تعد أحد المقربين من أوباما، مثلها مثل رايس. ومن هنا فقد أعلن هذا التعيين المزدوج لإرضاء المرأتين، لكن بوضعهما في موقعين متباعدين!



محمد ولد المنى

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟